قبل ان يقول وزير الخارجية الفرنسية جان ايف لودريان ما قاله من باريس في الطبقة السياسية في لبنان، كان الديبلوماسيون المعتمدون في لبنان قد سبقوه الى ما لا يليق بنشره، مخافة اعتباره تدخلّاً في الشؤون الداخلية اللبنانية. فألطفهم يتحدث عن سباق بين السيئ والأسوأ، طالما انّ هناك من يبشّر بأنّ الأصعب لم نصل اليه بعد. فكيف يمكن مقاربة هذه المعادلة؟

 

في مؤتمر صحافي مشترك عقده امس الاول الخميس مع نظيره المصري سامح شكري، اتهم لودريان المسؤولين اللبنانيين بـ «عدم تقديم المساعدة الى بلدهم، الذي يواجه أخطار الانهيار»، وشدّد على أنّ «جميع السياسيين اللبنانيين تعهّدوا العمل لتأليف حكومة لا تقصي أحداً، كما تعهّدوا تنفيذ إصلاحات ضرورية، وكان ذلك قبل 7 أشهر، من دون أن يحدث أي شيء حتى الساعة». قد تكون المرة الخامسة او السادسة التي يعبّر فيها لودريان بهذه الطريقة «الجريئة»عن قلقه على مستقبل الوضع في لبنان، وتوصيفه لنتائج السياسات المعتمدة لدى اركان السلطة فيه. فهو اطلق موقفاً متشدّداً لم يسبقه اليه احد، خلال زيارته لبنان ما بين 23 و24 تموز الماضي، عندما وجّه رسائله المباشرة الى المسؤولين اللبنانيين من فمه الى آذانهم، على قاعدة «ساعدونا لنساعدكم».

 

لا يمكن لأحد إغفال الظروف التي اطلق فيها لودريان موقفه يومها، فهو وان راعى الأزمة النقدية المتنامية، الى جانب جائحة الكورونا، استبق جريمة العصر بتفجير العنبر «رقم 12» في مرفأ بيروت في 4 آب الماضي، والنكبة التي حلّت باللبنانيين، والتي استدرجت الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الى زيارته التاريخية لساحة النكبة في بيروت في السادس من الشهر عينه، قبل ان يطلق مبادرته الشهيرة للإنقاذ والتعافي في الثاني من ايلول، والتي افرغها اللبنانيون من مضمونها في اكثر من مناسبة، ولبننوها، الى ان تلاشت ولم يبق منها سوى بعض المحطات التي ما زالت الى اليوم موضوع جدل عقيم.

   

وعليه، تعترف مراجع ديبلوماسية، انّه قد لا يثير كلام لودريان الجديد مزيداً من القلق لدى اهل الحكم والسلطة في لبنان، فقد اعتادوا الإستماع الى مثل هذه الملاحظات في الأشهر القليلة الماضية، من دون ان يعيروها الاهمية التي تستحق، في ظلّ الإنكار المتمادي لأسباب ما آلت اليه توجّهاتهم في السنوات الاربع الأخيرة، والفشل المتمادي في مواجهة الأزمات الاخيرة التي تفاقمت وتناسلت، لتطاول مختلف وجوه حياة اللبنانيين اليومية. لكن لكلام لودريان هذه المرة معنى آخر في وجود وزير الخارجية المصرية سامح شكري الى جانبه. فالديبلوماسية المصرية تنفّذ منذ فترة تعليمات رئاسية صارمة تجاه ما يجري في لبنان دعماً للمبادرة الفرنسية، وسعياً لإخراج لبنان من مسلسل المآزق التي انقاد اللبنانيون اليها طوعاً، بالنسبة الى البعض المؤمن بجرّ لبنان الى المحاور الكبرى في المنطقة، واستخدامه ساحة للنزاع بين الجبابرة، واكراهاً بالنسبة الى البعض الآخر العاجز عن إجراء التغيير اللازم الذي يرونه مناسباً على المستويات الاستراتيجية التي يمكن ان تقود لبنان الى مرحلة التعافي والإنقاذ.

 

وفي الوقت الذي لا يتوقع احد ان يغيّر كلام لودريان في أجندات القوى اللبنانية المتنازعة، لا يسع أي كان سوى لفت النظر الى انّه جاء بعدما باتت المبادرة الفرنسية موضوع تداول في موسكو وطهران وعواصم خليجية واوروبية مختلفة، مضافة الى ما يجري تبادله بين البعثات الديبلوماسية في لبنان، من مختلف المحاور، حتى المتنازعة في ما بينها في المنطقة والعالم. ولا يستطيع احد ان يغفل ما تشهده من تحذيرات تتناول المستقبل القريب للبنان واللبنانيين، إن بقيت المعالجات الجارية على ما هي عليه اليوم في شكلها ومضمونها وتوقيتها. فالبطء الظاهر في المساعي الآيلة الى تشكيل الحكومة، والتمادي في السياسات العقيمة التي تزيد من حجم الكوارث ما زالت قائمة، وهي تتجاهل بنحو فاضح اولويات ما ينتظره اللبنانيون، والتي تحظى بإجماع غير مسبوق، بضرورة الخروج التدريجي من مظاهر الأزمة القاتلة التي تهدّد لبنان الدولة والمؤسسات، وربما طاولت الكيان في وقت قريب.

 

ولمزيد من التفاصيل، ففي الكواليس الديبلوماسية كلام كثير بلغ ما لا يمكن نشره وتسويقه على جرأته وصراحته، مخافة اعتبار البعض منها انّها تشكّل تدخّلا مباشراً ومرفوضاً في الشؤون الداخلية اللبنانية، رغم انّ معظمها يجري التداول به في مقرات رسمية عليا، كما في الغرف المغلقة، بين سفراء ومسؤولين وقياديين لبنانيين من مختلف التوجّهات والمشارب السياسية والحزبية. وهي في مضمونها لا توفّر نقداً لاذعاً وقاسياً يطاول شخصيات في مواقع مختلفة، ارتكبت ما ارتكبته من اخطاء وجرائم، تعوق التوصل الى اي حل يراهن من خلاله المجتمع الدولي والأممي على إمكان الإنتقال بالوطن الصغير الى مرحلة النهوض.

   

وعلى خلفية استحالة الإشارة الى ما تشمله الملاحظات الديبلوماسية القاسية، تكفي الإشارة الى البعض منها، وخصوصاً تلك التي تتناول من يعوق ولادة «حكومة المهمّة» التي قالت بها المبادرة الفرنسية، وطريقة توزيع حقائبها، والتي باتت في تركيبتها ومواصفات وزرائها مطلباً دولياً واممياً، لا يتجاهله المطلعون على المواقف الاميركية والروسية والمصرية كما بقية الدول الاوروبية والخليجية. ويضاف الى هذه الملاحظات، ما تثيره بعض الإجراءات المالية من غرابة لما يمكن ان تضيفه الى حجم الدين العام في لبنان، والتفريط بما تبقّى في مصرف لبنان من احتياطي المودعين، وتهدّد ما بلغه ارتفاع اسعار العملات الأجنبية في لبنان، التي تجاوزت سقوفاً تنذر بمزيد من الفقر والجوع وفقدان وسائل ضبط الشارع اللبناني، عدا تلك النتائج المترتبة على الوضع الأمني، والتي يمكن ان يستغلها مريدو الفتنة في البلاد.

 

على كل حال، لا تخفي المراجع الديبلوماسية قلقها من ترددات السباق القائم بين ما هو سيئ يعيشه اللبنانيون اليوم، وما هو أسوأ ينتظرونه بقلق عميق. وهو ما يقود الى مزيد من التشدّد الدولي مع اركان السلطة والدولة، على قاعدة انّ الوقت لم يفت بعد لمبادرة جريئة يُقدم عليها اللبنانيون في ملاقاتهم للجهد الدولي المبذول في اسرع وقت ممكن، لا يُقاس بالأيام بل بالساعات، مخافة العودة الى مربّع الإهمال الدولي.

 

الّا يخشى بعض المسؤولين اللبنانيين ان تنضمّ العواصم المهتمة بما يجري لدينا الى مجموعة الدول التي أسقطت لبنان من برامجها السياسية والمالية والاستثمارية والديبلوماسية؟ الم يسمعوا في الأمس، انّ دولة الامارات العربية المتحدة قرّرت استثمار نحو 10 مليارات من الدولارات في اسرائيل، تزامناً مع اهمالها، ومعها جاراتها الخليجية، المسرح اللبناني وبما يشهده من انهيارات متتالية قد تودي به الى مزيد من الهلاك، من دون ان يحظى سوى بعبارات الأسى والأسف، ان لم تصل الى درجة الاشمئزاز؟