بعدما أثار طرح البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي إعلان حياد لبنان، ثمّ عقد مؤتمر دولي من أجل لبنان، ردات فعلٍ متفاوتة بين مؤيّدة ورافضة، وحاز موقف البطريرك هذا، ومسعاه الى إنقاذ لبنان، على التفافٍ وطني واسع، شعبي وسياسي، يُسأل عن موقف الفاتيكان من هذين الطرحين.

 

يوضح سفير لبنان لدى الفاتيكان الدكتور فريد الخازن لـ»الجمهورية»، حول طرح الراعي إعلان الحياد وعقد مؤتمر دولي من أجل لبنان، أنّ «الفاتيكان لم يتخذ موقفاً رسمياً من هاتين المسألتين، لكن هذا لا يعني أنّ هناك موقفاً سلبياً منهما، بل لأنّ الكرسي الرسولي معني بأي مسألة تستجد في لبنان، أو في أي بلد آخر، وتدرسها دوائر فاتيكانية معنيّة عدة، ويتمّ التعامل معها جدّياً وبإحترافية، ولا تصدر أي قرارات من دون تمحيص وغوص في مضامينها وفي الغاية من طرحها». ويشير الى أنّ «طروحات البطريرك الراعي باتت معروفة. أمّا المطروح الآن، فهو طريقة متابعة هذه الطروحات، وبالنسبة الى الفاتيكان، فإنّ التهويل والتخوين مرفوضان، وإنّ أي طرف يمكنه أن يتخذ أي موقف».

 

ويرى الخازن، أنّ «التحدّي الآن بالنسبة الى الوضع اللبناني كلّه، هو المرحلة التي تلي أي موقف، من مسألة تأليف الحكومة الى طروحات بكركي، وهذه المسائل كلّها تتطّلب مضموناً محدّداً وآلية متابعة».

   

أمّا لجهة إرتباط الكنيسة المارونية بالكرسي الرسولي وتنسيق مواقفها مُسبقاً مع الفاتيكان، فيشرح الخازن، أنّ «إرتباط الكنيسة المارونية بالكرسي الرسولي يخصّ الشأن الكنسي بالدرجة الأولى، وحتى في هذا المجال، فللكنيسة المارونية هامش حركة واسع، وإن كان التزام تعاليم الكنيسة قائماً، كذلك التنسيق مع الكرسي الرسولي. أمّا في ما يخص الشؤون الأخرى الوطنية، فلدى الكنيسة والبطريرك استقلالية في مواقفهما، وقد يكون هناك متابعة وتواصل مع الفاتيكان حول هذه المواضيع بنحوٍ طبيعي، لكن الرابط المباشر والفعلي بينهما هو حول المسائل الكنسية والدينية، أمّا في الشؤون اللبنانية والوطنية فليس بالضرورة أن تنال كلّ مسألة «ضوءًا أخضر» فاتيكانياً. علماً أنّ الكنيسة المارونية لديها دور تاريخي في مسائل تتعلّق بشؤون البلد، ويأتي موقف البطريرك الراعي في سياق المواقف التي اتخذها أسلافه عبر التاريخ، وهذه ليست المرة الأولى التي تتخذ بكركي مواقف محورية، فهذا سبق أن حصل منذ ما قبل نشوء الدولة في لبنان الى ما بعده، وهذه مسألة تخصّ الكنيسة المحلية».

 

أمّا بالنسبة الى المبادرة الفرنسية تجاه لبنان، والتي بموجبها يتمّ تأليف حكومة مهمّة من إختصاصيين مستقلّين تنفّذ الإصلاحات المطلوبة وتتفاوض مع صندوق النقد الدولي، لكي يتمكّن لبنان من الحصول على مساعدة المجتمع الدولي، يقول الخازن: «إنّ الفاتيكان يدعم المبادرة الفرنسية أو أي مبادرة يمكن أن تساهم في انتشال لبنان من الأوضاع المأزومة». ويؤكّد أنّ «الإرادة بالمساعدة والمساهمة في إيجاد حلول لأزمات لبنان، بالنسبة الى الفاتيكان، موجودة دائماً، وهناك حرص وقلق كبيران لدى الكرسي الرسولي على لبنان، عبّر عنهما البابا فرنسيس في مناسبات عدة».

 

ويلفت الخازن، الى أنّ «أي موضوع يخصّ لبنان على مستوى المجتمع الدولي، يجري تمحيصه ودرسه. فجدول الأعمال والتوقيت اللبنانيان يختلفان عن جدول الأعمال والتوقيت الدوليين، سواء لدى الفاتيكان أو فرنسا أو أي دولة أخرى. فلدينا أولويات ومسائل ضاغطة بنحوٍ يومي، لكن هذا لا يعني أنّ المجتمع الدولي سيسير وفق التوقيت اللبناني ووفق الأولويات المحلية، ليس لأنّ هناك عدم إرادة لمساعدة لبنان أو دعمه، لكن لأنّ لكل دولة ومؤسسة دولية أولويات وطريقة عمل».

 

ويوضح الخازن، أنّ «بنحوٍ عام، يتحرّك المجتمع الدولي على أساس أنّ هناك مسائل تخصّ اللبنانيين يجب أن يقوموا بها، بعدها تعمد المؤسسات الدولية الى مساعدته، وإنّ الفاتيكان مستعد لأي مساعدة أو دعم لأي مبادرة يُمكن أن تساهم أو تساعد في إنقاذ الوضع اللبناني بجوانبه كلّها، علماً أنّ الفاتيكان لم يوقف مساعداته الإنسانية، الإجتماعية والإقتصادية والتربوية للبنان، التي بدأت منذ زمن وما زالت مستمرّة. وإنّ الهمّ في الفاتيكان هو كيف يساعد لبنان، وليس لديه هدف التوظيف السياسي، بل لعلّه الطرف الوحيد في العالم المستعد لمساعدة لبنان ولا ينتظر شيئاً منه في المقابل».

   

أمّا المشكلة المطروحة الآن في لبنان، والتي تنطبق على الأطراف كافة في الخارج التي يهمّها المساعدة، فهي، بحسب الخازن، أنّ «هناك مسائل يجب أن نقوم بها تخصّنا نحن اللبنانيين، ومنها تأليف الحكومة وإنجاز الإصلاحات المطلوبة، ولا أحد يمكنه أن يجلس مكاننا، وهذا لكي يكون هناك دعم أكبر للبنان وبنتيجة أفضل، تماماً مثلما أعرب عنه عدد من المسؤولين الفرنسيين لجهة أنّ «عليكم أن تساعدوا أنفسكم لكي نساعدكم»، وهذا ينطبق على المجتمع الدولي بكامله».

 

وبالنسبة الى المشكلة التي يعاني منها لبنان لجهة دخول أطراف محلية في محاور إقليمية، وعن مقاربة الفاتيكان لهذه المسألة، يقول الخازن: «إنّ الفاتيكان همّه كيف يمكن أن ينقذ الوضع اللبناني، وانطلاقاً من ذلك هناك مسائل محدّدة يمكن أن يساهم فيها، وهناك مسائل أخرى لا يُمكنه أن يساهم في حلّها، مثل أي طرف خارجي».

 

وعن إعلان البابا فرنسيس في ختام زيارته للعراق، أنّ رحلته المقبلة ستكون الى لبنان، يقول الخازن: «يبدو أن ليس ثمة زيارة مرتقبة، لكن هناك نية لدى البابا لزيارة لبنان، إلّا أنّ هذه الزيارة تخضع لعوامل عدة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر الظروف التي فرضتها جائحة «كورونا». ففي لبنان لا يُمكن حصر عدد المشاركين في قداس يترأسه البابا بـ5 آلاف شخص مثلما جرى في العراق».

 

وعلى صعيد أزمة النزوح السوري الى لبنان، والتي طرحها البابا فرنسيس، يشير الخازن، الى أنّ خلاصة كلام قداسة البابا عن هذه القضية هي أنّ «هذه المسألة يجب التعامل معها بطريقة لا تؤثر على الوضع اللبناني وهويته وتعدديته، وهذا لا يعني أنّه يطرح حلاً لهذه المشكلة». أمّا كيف يُمكن لبنان أن يتعامل مع قضية النزوح التي كلّفته كثيراً، وعمّا إذا كانت عودة النازحين الى سوريا خارج أيدي اللبنانيين، فيشدّد سفير لبنان في الفاتيكان على أنّه «يجب أن ننبّه وأن نتخذ مواقف تجاه هذه القضية، لأنّ المجتمع الدولي، إذا لم نستمرّ في إعلاء الصوت والمطالبة، يتعامل مع الحلّ الأسهل، وهو، أنّ النازحين موجودون في لبنان، ثمّ نصل الى مرحلة يتوقف المجتمع الدولي عن الدفع لغوث اللاجئين، مثلما حلّ بالوضع الفلسطيني، وعلينا أن نستمرّ في رفع الصوت، وهذا ما يحصل، تحديداً من جهة رئيس الجمهورية، وإلّا إنّ الأسهل بالنسبة الى المجتمع الدولي هو أن ينسى هذه القضية، خصوصاً أنّ دخول مليون ونصف مليون نازح سوري الى لبنان، وهو أمر كارثي، حصل لأنّ أحداً لم يتعامل مع هذه المسألة بالجدّية المطلوبة آنذاك».