لم يكن مفاجئاً إعلان البابا فرنسيس أنّه سيزور لبنان. لكن أحداً لم يتوقع أن يكون لبنان الذي ينزلق سريعاً نحو الإهتراء الشامل، وربما الاضمحلال، هو التالي مباشرةً بعد العراق. فهل يمتلك الفاتيكان معطيات تدفعه إلى أن يولي أهميةً استثنائيةً للعراق ولبنان، وللمشرق ومسيحييه عموماً، وفي شكل عاجل؟

درَج الباباوات في نصف القرن الأخير على زيارة لبنان. وقد دشَّن المسار بولس السادس، في 2 كانون الأول 1964، إذ توقَّف في مطار بيروت نحو 50 دقيقة، خلال رحلته إلى الهند. وكان الهاجس آنذاك توجيه رسالة سلامٍ إلى الشرق الأوسط.

 

ولكن، بعد التحوُّلات التي أفرزتها الحروب العربية- الإسرائيلية وحروب لبنان، واتفاقات السلام التي أعقبتها، والوصاية السورية على لبنان، بدأت الزيارات البابوية للشرق الأوسط ولبنان تتخذ طابعاً آخر وترتدي أهمية أكبر.

   

في نهاية الثمانينات من القرن العشرين، اضطلع البابا يوحنا بولس الثاني، بدورٍ أساس في تحقيق تغيير دولي تاريخي، عندما نجح في إسقاط الأنظمة المرتبطة بالاتحاد السوفياتي في أوروبا الشرقية، بدءاً من بلده بولونيا. فتحوَّل رمزاً للتحرُّر الوطني عن طريق الثورات الهادئة.

 

في تلك الفترة، وفيما كانت صورة «بابا التحرير» تتكرَّس في أوروبا، كان لبنان قد أنهى الحرب الأهلية باتفاق الطائف 1989، وبحروب عاصفة انتهت بتلزيم لبنان لسوريا، بتغطية عربية ودولية شاملة.

 

كان الصوت المسيحي هو الأعلى اعتراضاً، ولاسيما صوت بكركي. وثمة مَن يعتقد أنّ البطريرك نصرالله صفير كان يستوحي انتفاضة البابا يوحنا بولس الثاني الذي تربطه به علاقة وثيقة وقرابة العمر، إذ إنّهما كلاهما مولودان في منتصف أيار 1920، بفارق 3 أيام فقط.

 

مساعي البابا للتغيير في لبنان بدأت تنضج بدءاً من منتصف التسعينات. فقد أطلق ورشةً على خط بيروت - روما، دامت أكثر من 3 سنوات، جرى خلالها إعداد سينودس للكنيسة في روما، وإصدار «رجاء جديد من أجل لبنان». وبعد ذلك، قام يوحنا بولس بزيارة يمكن اعتبارها مفصلية في تاريخ لبنان، في 10 أيار 1997.

 

هاتان الورشة والزيارة أثمرتا، في العام 2000، نداءَ بكركي الشهير الذي كان أساساً في تحقيق التغيير الكبير في آذار 2005، بخروج القوات السورية من لبنان ورفع الوصاية عنه. وشاء القدر أن يرحل يوحنا بولس في نيسان ذلك العام، وفيما كان يرحل آخر جندي سوري عن لبنان.

 

عندما وصل خَلَفه البابا بنديكتوس السادس عشر إلى السدّة البابوية، ورث عنه مهمَّة الرعاية للبنان والشرق الأوسط. وأطلق ورشةً تُوِّجت بسينودوس خاص، في تشرين الأول 2010، انبثق منه «الإرشاد الرسولي إلى أساقفة الشرق الأوسط». ثم، في 14 أيلول 2012، قام بزيارة لبنان.

 

يمكن القول، إنّ مهمة البابا بنديكتوس كانت انتقالية، على المستوى الاستراتيجي. فقد كان الشرق الأوسط ينتقل من معادلة الأنظمة التي كرَّسها نظام القطبين، الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، خلال الحرب الباردة ومرحلة الحروب العسكرية الكبرى العربية - الإسرائيلية، إلى مرحلة «الربيع العربي» وتحوُّلاته العميقة على مستوى الأنظمة والخرائط.

   

اليوم، بات الشرق الأوسط مختلفاً تماماً عمّا كان قبل اندلاع الحروب الأهلية، حروب «الربيع العربي» في 2011. ونشأت فيه معادلات جديدة للقوى الإقليمية والدولية، وبدأت مسارات التطبيع تتكامل بين العرب وإسرائيل، ما يَفرض تغييراتٍ حتمية في كيانات المنطقة كلها وأنظمتها.

 

ومن هنا، يجدر التدقيق في الدور الذي يضطلع اليوم البابا فرنسيس في الشرق الأوسط، وتالياً، في زيارتيه للعراق ولبنان. فالمرحلة الانتقالية ربما تكون قد شارفت على نهايتها، أو على الأقل هي قيد الإنضاج. ومن شأن الرعاية الفاتيكانية للبنان أن توفّر للبنان حماية من تحوُّلات حادّة يمكن أن تطرأ.

 

من هذا المنظار، يمكن رؤية المبادرة الجريئة التي أطلقها البطريرك بشارة الراعي. فهي تحظى برعاية الكرسي الرسولي وتتكامل معها.

 

ويعتقد بعض المتابعين، أنّ زيارة البابا للبنان، والتي سيتأنّى في تحديد موعدها، ستكون علامةً لتغيير قد يتأخّر، لكنه وُضِع على السكة. شأنها في ذلك شأن زيارة البابا يوحنا بولس التي مهّدت لتغييرات مفصلية.

 

ولكن، هل يحظى الفاتيكان في هذه المرحلة بتغطية من القوى الدولية تسمح له باستخدام رصيد يمتلكه في لبنان والشرق الأوسط؟

 

العالمون يقولون: قبل يوحنا بولس الثاني، كان أقوياء العالم يعتمدون مقولة الزعيم السوفياتي جوزف ستالين الذي قال بسخرية لرئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل في يالطا، العام 1945: «كم دبابةً يمتلك البابا ليعلن الحرب على أدولف هتلر»؟

 

ولكن، بعد ما فعله يوحنا بولس، بإسقاط المنظومة السوفياتية، أدركت الولايات المتحدة والقوى الكبرى أنّ للفاتيكان موقعاً معنوياً فاعلاً ولا يمكن تجاهله.

 

وعلى الأرجح، سيستخدم البابا فرنسيس رصيده المعنوي في الشرق الأوسط، بتغطية دولية، مع التذكير بأنّ الرئيس الحالي للولايات المتحدة كاثوليكي. وثمة مَن يعتقد أنّ بصمات الفاتيكان ستكون حاضرة في رسم مستقبل الشرق الأوسط، ولبنان جزء منه. فهل ستكون زيارته المرتقبة إشارة انطلاق إلى ترسيخ هذا المسار نحو التغيير؟