أصبحت زيارة البابا مرآة عاكسة لمدى إنقسامات المجتمع العراقي ورغبة ما يسمى بـ"مكوناته" نيل الأعتراف والتقدير من خلال زيارات خاصة من البابا. ومثل هذه التنافسات على توظيف الزيارة التاريخية  لنيل الأعتراف غافلة عن صعوبة تعديل برنامج الزيارة، فالبابا هو رئيس دولة هي الفاتيكان، وفي الوقت ذاته يمثل الكرسي الرسولي الذي يحتفظ بسلطة روحية عابرة للحدود السياسية.

 

 

تصريحات النائب (مثنى السامرائي) عن تجاهل زيارة البابا للمكون السني، وعدم أدراج المجمع الفقهي مثال أخر ، غافل تماما عن تقدير المآزق الذي وجد الكرسي الرسولي في مواجهته في مجتمع شديد الانقسام يتكون من  22 طائفة دينية من ضمنها 14 طائفة مسيحية. ولم يقتصر مأزق الكرسي الرسولي  على صعوبة أختيار  ممثلي الطوائف الدينية الأخرى، إذ إن اختيار ممثلي الطوائف  الاسلامية لم يخل هو الأخر من تعقيد، فمن سيتم دعوته ليمثل الشيعة، مثلا، في وقت اختلطت فيه العمامة السياسية بالعمامة الدينية، وتعددت المراجع والانتماءات  والاهواء، على الرغم من بروز مرجعية السيد السيستاني بوصفها بيضة القبان في الهوية الشيعية داخل وخارج البلاد.؟، 

 

من سيمثل السنة كمرجعية دينية في وقت أصبح فيه تشظي الهوية السنية، أحد أمثلة تفكك المجتمع في أعقاب انهيار الدولة بفعل الغزو الأميركي، لكن مع بروز (المجمع الفقهي لعلماء العراق) كمرجعية سنية تحاول محاكاة المرجعية الشيعية جعل السبيل أكثر يسرا لإختيار ممثلين عنها. لذا، فإن رئيس المجمع الفقهي العراقي قد أختير سلفا للمشاركة في السينودس الذي سيقام في أور (مهد النبي أبراهيم) مع عدد من اعضاء المجمع. 

 

 

لكن كما في  توظيف كل حدث يمر بالبلاد سياسيا وانتخابيا، يجري استثمار اللحظة لتمثيل مقاولي الهويات كمتحدثين عن هويات المكونات المختلفة، كما فعل السيد النائب وسيفعل أخرون الشي عينه. لذا، من المهم على جميع المسؤولين من سياسيين ورجال دين التحلي بقدر من المسؤولية لإنجاح هذه الزيارة التاريخية بعيدا عن لغة المظالم والاستحقاقات، لإن البابا  لا يزور مكونا بعينه، بل سيزور العراق الذي يعد عاصمة التنوع الديني في الشرق الأوسط ومهد أديانها الإبراهمية.

 

 

الصور من تنظيمنا لزيارة "شباب تحاور"  للمجمع لفقهي لعلماء العراق بتاريخ 25 نوفمبر 2020، وجرت مناقشة لزيارة البابا  للبلاد (كان لدينا سبق بمعرفة  تأكيد الرحلة  البابوية قبل علم الحكومة العراقية عنها وقبل الاعلان الرسمي للفاتيكان عن الزيارة). ولم يكن واضحا في اللقاء مع اعضاء المجمع  الفقهي أية طلبات لزيارة خاصة للبابا للمجمع في هذا السياق. 

 

 

من الجدير بالذكر ان المجمع الفقهيي لعلماء  العراق قد فاز  بجائزة (أكاديمية هاني فحص للدفاع عن التعددية) في دورتها الأخيرة، لدوره في مواجهة خطابات الكراهية وتمثيله خطا الاعتدال والوسطية في جو مشحون بالكراهيات وتوظيف الانقسامات.

د. سعد سلوم