في المحصّلة، وفي ظل حال الاستعصاء السياسي القائم تؤكّد الوقائع أن المعطيات الحالية لا توحي بإمكانية التوصل إلى اتفاق على تشكيل الحكومة في وقت قريب، إلا أن ذلك لا يلغي إمكانية حصول خرق ما في أيّ وقت، لا سيما في حال حصول أي تطور إيجابي على المستوى الإقليمي، لكن ما يقلق بالفعل هو إمكانية اللعب بورقة الشارع أو الأمن في الوقت الضائع.
 

على ضوء حالة الاستعصاء التي تسيطر على المشهد السياسي اللبناني لا سيما على المستوى الحكومي نتيجة عجز الطبقة السياسية بتأليف الحكومة العتيدة في ظل الخلافات الداخلية، خصوصاً بين رئيس الجمهورية  ورئيس الحكومة المكلف ، والتطورات الإقليمية والدولية المتسارعة، يبدو أن الاوضاع في البلاد مقبلة على موجة من التصعيد المتبادل.

 

في حين لا تلقى تصريحات رئيس التيار العوني النائب جبران باسيل ومؤتمراته الصحفية آذاناً صاغية، حيث تعتبر الأكثرية الساحقة من المسيحيين، أن شعار الدفاع عن حقوق المسيحيين، الذي يكرره باسيل دوماً، هو كلمة حق يُراد بها باطل، بعدما تحوّل هذا الشعار إلى ستار كثيف للتغطية على أمرين بارزين الأول، الفشل المستمر في إدارة دفة الحكم خلال العهد الحالي. والثاني، التستر على فضائح الفساد الذي استشرى في السنوات الأخيرة، وخاصة في قطاعي الكهرباء والسدود المائية والنفايات. إلى جانب السعي الحثيث للإمساك بالسلطة بيد حزبية ضيقة، بهدف الوصول إلى قصر بعبدا، ووراثة رئاسة الجمهورية ، بعد انتهاء ولايته في تشرين الأول من العام المقبل. 

 

في هذا السياق، تبرز العديد من العناوين السياسية الخلافية بشكل شبه يومي، من الدعوات إلى مؤتمر دولي،أوالحديث عن مؤتمر تأسيسي، الاول يسعى الى تكريس الطائف ،والثاني يهدف الى الانقضاض على الطائف ، أو تلك التي رافقت قرار تنحية المحقق العدلي السابق في جريمة إنفجار المرفأ القاضي فادي صوان وصولاً إلى المبارزة الطائفية والمذهبية حول الحصص والصلاحيات، التي تعود فيجذورها إلى فشل السلطة السياسية في معالجة الأزمات المتراكمة.

 

في الفترة الماضية، سعت بعض الجهات المحلية إلى الدخول على خط الأزمة الحكومية، عبر طرح مجموعة من المخارج التي تقود إلى ولادتها سريعاً للعمل على الحد من تداعيات الأزمات المتناسلة، إلا أن جميع هذه المحاولات لم تنجح في الوصول إلى أي نتيجة تذكر، بل على العكس من ذلك أكدت عدم القدرة على إنتاج الحلول قبل تبدل المعطيات الخارجية، لا سيما الإقليمية، القائمة، نظراً إلى أن أغلب الفرقاء المحليين، بحسب معطيات الوقائع السياسية ،غير راغبين أو غير قادرين على تقديم أيّ تنازلات من تلقاء انفسهم في هذه المرحلة.

 

 

 

إقرأ أيضا : الفوضى الاقتصادية لغياب الحلول المؤسساتية ...

 

 

المشكلة الأساس، أن تلك المعطيات ليس من السهل حصولها في وقت قريب، نظراً إلى أن غالبية اللاعبين الإقليميين يبحثون عن كيفية تأمين مصالحهم في بداية ولاية الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن. ما يهمّ على مستوى الأزمة اللبنانية، هو الإنعكاسات التي من الممكن أن تحصل لهذه التطورات، حيث الرهان في هذه المرحلة على أي تطور إيجابي قد يحصل في مسار العلاقات الأميركية الإيرانية، إلا أن هذا الأمر رغم الحماسة التي تبديها واشنطن، لا يبدو بالسهولة التي يتصورها البعض، بالنظر إلى رغبة العديد من اللاعبين الدوليين في ضم ملفّات أخرى إلى مفاوضات النووي، الأمر الذي ترفضه طهران بشكل مطلق، ولا يبدو أنّها في وارد المساومة عليه. الرهان الآخر الذي من الممكن البناء عليه هو ما يمكن أن يقوم به الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته إلى السعودية، لكن من حيث المبدأ الآمال المعلقة على باريس تراجعت في الفترة الماضية، نظراً إلى أن دورها لا يخرج عن إطار رعاية إتفاق قابل للتطبيق، وتشير إلى أنّ هذا الأمر غير متوفّر في الحالة اللبنانية حتى الآن، ما فتح الباب أمام الجانب الروسي لبدء مجموعة من الإتصالات، بهدف جسّ النبض حول إمكانية أن يكون لموسكو دورا ما.

 

وفي حين يتبين من خلال الوقائع أن هذا الواقع قد يعني أن البلاد أمام إحتمال إستمرار حالة الفراغ القائمة فترة طويلة، تشير إلى أن الخطر يكمن بالمؤشرات المالية والإقتصادية الضاغطة القابلة للإنفجار في الشارع بأيّ لحظة، لا سيما مع إستمرار التدهور في سعر صرف الليرة مقابل الدولار وبدء عملية رفع الدعم عن السلع الأساسية بطريقة غير مباشرة، لكن هذه المرة مع إرتفاع لافت في مستوى الخطاب الطائفي والمذهبي. ومع ترجيحها إستمرار عمليّة رفع السقوف السياسية في ظل حالة الإستعصاء القائمة، نظراً إلى أنّها من أساليب عمل القوى المحلّية منذ سنوات طويلة، لابد من الانتباه إلى أنّ العامل الأساسي الذي على ما يبدو يتجاهله الكثيرون هو أن الساحة مفتوحة على مختلف محاولات اللعب بإستقرارها، وهو ما ترجم في الفترة الماضية من خلال ما حصل في مدينة طرابلس على هامش التحركات الشعبية الرافضة لقرار تمديد الإقفال التام، وبعد ذلك عبر عملية إغتيال الناشط السياسي لقمان سليم.

 

في المحصّلة، وفي ظل حال الاستعصاء السياسي القائم تؤكّد الوقائع أن المعطيات الحالية لا توحي بإمكانية التوصل إلى اتفاق على تشكيل الحكومة في وقت قريب، إلا أن ذلك لا يلغي إمكانية حصول خرق ما في أيّ وقت، لا سيما في حال حصول أي تطور إيجابي على المستوى الإقليمي، لكن ما يقلق بالفعل هو إمكانية اللعب بورقة الشارع أو الأمن في الوقت الضائع.