قبل خمسة أشهر بالضبط أجرت قناة الميادين مقابلة تلفزيونية مع "المناضل" الأممي والقومي والإسلامي والمذهبي الراحل أنيس النقاش، مُنسّق شبكة أمان للبحوث والدراسات الإستراتيجية، والمنفّذ لعدة عمليات إرهابية، آخرها محاولة اغتيال آخر رئيس وزراء في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، شهبور بختيار، والتي فشلت وانتهت باعتقاله لمدة عشر سنوات، حتى تمّ الإفراج عنه في عملية تبادل للأسرى بين فرنسا وإيران، في تلك المقابلة شنّ النقاش حملة قاسية على الثنائية الشيعية، وحزب الله تحديداً( وسط ذهول الجميع بما فيهم مؤيّدي المقاومة والممانعة ومُعارضيها)، إذ وجّه النقاش في معرض حرصه على استمرار المقاومة وألقها ونجاحاتها الباهرة، سهام النقد اللاذع لتقاعسها عن التّصدّي لمنظومة الفساد المستشرية في لبنان، وعدم المساهمة في بناء دولة مُتعافية سياسياً واقتصاديّاً واجتماعيّاً، ممّا دفع بلبنان للإنهيار الشامل، والوقوع في ما يُسمّى "بالفوضى الخلاقة " التي يُصمّمها الغرب الإستعماري، وتنفذها الأمبريالية الأميركية مع العدو الصهيوني، كما يرى النقاش، لذا فهو لا يجد مُبرّراً واحداً لتقاعس المقاومة والممانعة في هذه المهام "النضالية"، وانكفائها عن قيادة الإنتفاضة الشعبية التي انطلقت في السابع عشر من تشرين الأول عام ٢٠١٩، ( ولعلّه أغفل عمداً واقعة تصدّي السيد حسن نصرالله أمين عام حزب الله للإنتفاضة منذ انطلاقتها)، وأكثر ما أثار حفيظة النقاش في مقابلته تلك، هو الوضع المُزري للثنائية الشيعية الذي أوصلها للمطالبة بحقّ تسمية وزير مالية شيعي و"مُستقلّ" أيضاً، في حين أنّه كان من المفترض، لو أنّ المقاومة أحسنت التّصرّف والتدبير، أن تختار بنفسها رئيس الحكومة ووزرائها، طالما هي تمتلك الأكثرية النيابية، ومن ورائها القاعدة الشعبية العريضة، مع فائض القوة العسكرية والأمنية والتي لا لزوم للتّذكير بها.

 

 

إقرأ أيضا : الشهيد حسن بزون..دمعة حزن وكلمة وفاء في ذكراه.

 

في اليوم التالي لتلك المقابلة الشهيرة والجريئة بحقّ تيار المقاومة والممانعة، كتبتُ مقالةً للتّعليق عليها في ٢٤ أيلول عام ٢٠٢٠، نُشرت في موقع لبنان الجديد، قلتُ فيها أنّ النقاش "الإستراتيجي" يفترض أنّ المقاومة( ورأس حربتها حزب الله) تمتلك مشروعاً نهضويّاً وديمقراطيّاً، لا طائفيّاً ولا مذهبيّاً للبنان والمنطقة المحيطة به، مُتجاهلاً المصائب والآلام والكوارث التي صدّرتها الثورة الإيرانية إلى العراق وسوريا واليمن ولبنان، وإلى حيث حطّت تلك الثورة رحالها، "والخير لقدّام" كما يقول المثل الشعبي، وما زال النقاش يعتقد بأنّ فائض القوة والسلاح غير الشرعي والهيمنة الميليشياوية يمكنها بناء الأوطان، أوطان تتّسق مع رُؤى وتهويمات النقاش الإستراتيجية، ذات المناحي الثورية والتّقدّمية الزائفة، والتي تُسوّق لها شبكة أمان للبحوث والدراسات الإستراتيجية، ويُديرها "إرهابي عتيق"، ويُمولها الوليّ الفقيه في إيران.

 

أسابيع قليلة مرّت على اغتيال الناشط السياسي المعارض لقمان سليم، واتُّهمت إسرائيل بهذه الجريمة الشنعاء، بعد موت أنيس النقاش "الغامض" في عاصمة الأمويين، يبدو أنّ يدَ إسرائيل طويلة جدّاً، من جنوب لبنان إلى عاصمة العروبة الشام.