الشعب هنا شعبان شعب جوعان وشعب شبعان الأوّل يهتف ضدّ المجوعين والثاني يهتف للمشبعين
 

لم تعد يجدي نفعاً وصف اللصوص ونعت المافيات بكل الرذائل و الموبقات وتحميلهم مسؤولية الخراب و الدمار و إفقار الناس ومنعهم من أبسط وسائل العيش طالما أن الكلمات لا تضر ولا تؤذي ولا تصيبهم بشلل عصبي أو دماغي وطالما أن الدعاء عليهم يزيدهم مكراً وخداعاً وحيلة ويطوّل من أعمارهم ولا يضرهم بشيء على الإطلاق . لذا اكتبوا ما شئتم واشتموا ما شئتم واعتصموا وتظاهروا وعبروا بكل الأدوات المستعملة وغير المستهلكة ومع ذلك لا ضرر على السلطة المحكومة بقوّة لا تضاهيها قوّة من أجهزة وطوائف وأحزاب ودول خارجية ترعى كل الرعية لهذا النظام الطائفي من أميركا وصولاً لأصغر دولة على الكوكب .

 

من يعمل بحقل السياسة لا تفلح معه فلاحة الشعب ولا تهدر وقته مقالات وخطابات وعنتريات شوارعية لأنه يملك أكثر مما يملك المعارضون وعنده ما عنده من شوارع تعجّ بها فئات مختلفة من الطائفة ومن جميع الإخنصاصات من المتعلم الى الجاهل ومن المثقف والأديب و الكاتب والشاعر الى السفيه القادر على إنهاء أيّ حراك بسويعات محدودة  ضدّ أناس تحكمهم أخلاقهم الوطنية .

 

لذا لا مجال للرهان بعد على أيّ طريق من الطرق التي صنعها اللبنانيون طيلة تعبيرهم عن أسخاطهم من حكومات الطوائف طالما أنّها لم تفض الى شيء سوى الى تأديب المعترضين بعصا السلطة والزعيم والحزب والتيّار وما يقف مع وخلف السلطة من أحزاب لا حصر لها وكلها محميّات للحكومات الفاشلة والتي ضيّعت البلاد وجعلت العباد في الدرك الأسفل من نار الفقر والجوع والحرمان والعوز .

 

إذن ما العمل ؟ هل نقف ونتوقف عند حدود الفقر ؟ ونستسلم لإرادات الموت التي تأتي بأشكال جديدة مع كل تجربة حكومية ولا نخوض غمار المعارك النضالية ضدّ سالبي الحياة ومصاصي دماء الفقراء وننتظر إقتراب آجالنا أفراداً وجماعات ونقعد القرفصاء في بيوتنا نندب خظوظنا وننتظر فرجاً لن يأتي طالما أننا لا نسعى إليه .

 

 

إقرأ أيضا : الغنوشي بين الإمارات و قطر

 

 

زمن المعارضات كان الشعب يراهن على المعارضين أيّ على الأحزاب السياسية وخاصة أولئك الذين يحملون أفكاراً ثورية وتغيرية لا تتسع لها مساحة لبنان المحدودة فكيف الحال والأحزاب دكاكين السلطة والطائفة ولا يوجد حزب خارج عن عصا الطاعة ولا يلبي رغبات السلطة من أكبرالأحزاب الى أصغرها حجماً  ونفوذاً وسناً وكلها أسوأ في تجاربها من أسوأ السلطات التي مرّت على لبنان طيلة تجاربه وهذا ما دفع الى احتقار العمل الحزبي بعد أن أصبح حفاة المناضلين والمجاهدين من أسنان رؤوس المال ولا يلبسون الا الماركات العالمية وهذا ما ضاعف من أزمة التجربة الحزبية بحيث لم يعد يرغب لبنانياً بتأسيس أحزاب جديدة مخافة الوصول الى ما وصلت اليه كل الأحزاب اللبنانية من بذخ بعد فقر ومن إستبداد بعد قهر ومن شراسة لم تتوفر للطغاة الذين قاموا عليهم وانقلبوا ضدّهم لتتبيّن لطافة الطغاة أمام ذئاب تأكل لحم بعضها البعض إن لم تجد من تأكله .

 

الشعب هنا شعبان شعب جوعان وشعب شبعان الأوّل يهتف ضدّ المجوعين والثاني يهتف للمشبعين وهذه معركة حقيقية متوفرة بإستمرار وتراها يومياً بارزة وبشكل واضح على وسائل التواصل الإجتماعي بحيث يخزق الشبعان نفسه دفاعاً عن مشبعه ويحرق الجوعان نفسه بنار مجوعيه وهي معركة من أسوأ المعارك المفتوحة كونها لا تنتمي لأفكار بقدر ما أنّها تنتمي لعصبيات جاهلية تباعد بين اللبنانيين وتعمّق أكثر من أزمة وحدتهم الهشّة وهذا من شأنه أن يبقي الوطن مجرد مشروع على خارطة حلم هو أقرب ما يكون لكابوس لا مجال للتخلص منه.