مروان حيدر

  عاد مسلسل الإغتيالات السياسية الى الساحة اللبنانية من جديد، ولكنه عاد الآن من بوابة تصفية الناشطين أو الصحافيين الذين وعلى ما يبدو، يشكلون في مواقفهم، الضغط الأكبر المتبقي على أدوات الأمر الواقع التي تتحكم بالأمن في لبنان والمنطقة أكثر من رجال السياسة الذين عرَتهم الثورة والحراكات المطلبية الأخيرة...

 

لكنَ السؤال الأبرز في هذا الصدد، هو لماذا اختار قتلة "لقمان سليم" هذا التوقيت بالذات، لاغتيال الشخصية المعارضة لسلاح "حزب الله" والثائر على السلطة، التي ما برح يصفها بالفاسدة والمتراخية أمام السلاح غير الشرعي ؟؟!! ومن المؤكد أن القتلة المجرمين الذين اغتالوا هذا الناشط البارز، لا يحتاجون لمكان معين أو زمان خاص ودقيق لتنفيذ جريمتهم، فالمكان والزمان مؤاتيين لتنفيذها منذ زمان طويل وليس اليوم فقط،

 

ولكن الملاحظ في اختيار التوقيت، هو الظرف الدولي والإقليمي الذي طرأ على المشهد السياسي والأمني العالمي...

 

فمن المعروف منذ زمن بعيد، أن لبنان يشكل مسرحا دوليا لتبادل الرسائل، وخاضعا للتبدلات والتأثيرات الآتية من الخارج.

 

فالموقع الجغرافي والأزمات والقضايا السياسية والأمنية المحيطة به، والإرتباطات العقائدية للأحزاب والطوائف اللبنانية، جعلت منه مسرحا دائما للتأثيرات السياسية والأمنية الدائرة، سواء على مستوى العالم العربي أو على المستوى الدولي. ولكن السؤال الأبرز، كيف توظف اغتيال "لقمان سليم" في هذا التوقيت بالذات في التغيرات السياسية الدولية ؟؟ وما هي تأثيراته على المشهد الدولي؟؟!

 

الجواب سيأتي من خلال هذه المطالعة الدولية التي سنستنتج من خلالها، أن الإغتيال السياسي في هذا التوقيت، كان مدبّرا بشكل محكم ليتماشى مع الظرف الدولي القائم !!!

 

فقد انتقلت إيران وحلفاؤها في المنطقة من حكومات ودول تسيطر عليها مثل (سوريا والعراق) والميليشيات التي تدعمها بشكل مباشر مثل (حزب الله في لبنان) و (الحوثيين في اليمن) وغيرها من الميليشيات المدعومة من طهران سواء في العراق وسوريا، انتقلت من موقف المدافع الى موقف المهاجم، بعد حملة التضييق الدولية والعقوبات التي فرضتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق "دونالد ترامب" على طهران وحلفائها، و"قانون قيصر" على سوريا الذي أثَر في لبنان والعراق أيضا، والأزمة المالية اللبنانية التي أثرت على حزب الله خصوصا مع ازدياد وطأة العقوبات المالية على أفراد من الحزب وبعض المقربين منه من أطراف سياسية أخرى..

 

 كلها عوامل دفعت بفريق إيران وحلفائها في المنطقة، إلى اتخاذ موقف المدافع في حينها، حتى جاءت الإنفراجات من خلال الإنتخابات الرئاسية الأمريكية، التي أتت بالرئيس "جو بايدن" الذي أعلن من خلال حملته الإنتخابية عن مجموعة قرارات وانفراجات اعتبرتها طهران الضوء الأخضر لعودة الإتفاق النووي، دون قيد أو شرط بعد فوز بايدن، ورفعت من سقف شروطها السياسية والأمنية لاحقا، من أجل العودة الى الساحة وإعادة بلورة دورها الإقليمي التوسعي الذي تحاول فرضه على الساحة الإقليمية.

 

بدأ هذا الموقف يتجلى بشكل واضح في استفزاز الرأي العام الدولي، برفع انتاجها من اليورانيوم المخصب واقترابها من صنع قنبلة نووية، في غضون أشهر وربما أسابيع حسب المصادر الأمريكية المراقبة للملف النووي الإيراني. ثم يأتي خبر إعادة ترشح "بشار الأسد" الى الإنتخابات الرئاسية السورية المزمع إجراؤها بين 16 ابريل و 16 مايو من العام 2021، لتشكل الإندفاعة الأخرى لمحور طهران الى موقع المهاجِم وزيادة رفع سقف شروطها حتى تصل في النهاية الى ما يرضيها، إذا ما حصل التفاوض الذي سيلوح في الأفق قريبا.

 

يتحرك الإيرانيون على مبدأ: أطلب الألف لتحصل على الخمسمئة... لكن كل هذا يجب أن يترافق مع تقدّم في الملف الأمني، وتطور يخدم عملية رفع السقف الدولي والمتطلبات التفاوضية. فبعد المناورات البحرية الإيرانية التي أجريت، وزيادة زخم الضربات الحوثية بالطائرات المسيرة والصواريخ من قبل الحوثيين التي تستهدف المملكة العربية السعودية ومواقع التحالف العربي في اليمن، جاء اغتيال الناشط السياسي "لقمان سليم" لتؤكد أذرع طهران في لبنان والممسكة بزمام الأمن على الساحة اللبنانية بكل مفاصله، أنها موجودة وبشكل قوي، بزخمها وأدواتها القاتلة، التي تستطيع أن تجرف كل من يقف بوجهها، حتى ولو ارتبط بالغرب أو بالأمريكي ...!!!

 

أرادت طهران القول إنّ الضغط المتمثل بالعقوبات المالية وقانون قيصر، لم يخمد عزيمة هذا فريقها الذي عاد الى مسرح المبادرة الدولية التي ينتظرها من موقع المهاجم، بعد أن حرمتهم إدارة الرئيس ترامب لذة الإنتصار في سوريا. فالإزعاج الذي سببه سليم لهذه الفئة، لم يزيد ولم يتطور اليوم، فسليم منذ أن بدأ المعارضة من خلال أبحاثه ودراساته ومنشوراته، يشكل ذات النوع من الإزعاج لحلفاء طهران في لبنان، والمكان الذي يتواجد فيه وينشط من خلاله، لم يتغير، حتى نقول أنهم اختاروا المكان والزمان المناسبين لقتله، لكن الذي تغير حقيقة، هو الموقف والظرف الدولي، وحتى تكون الرسالة واضحة صريحة... وهذا ما بدا من خلال ردود الأفعال لحلفاء وأذرع إيران في لبنان على اغتيال سليم، وكأن القاتل يريد القول، (أنني أعرف ما أفعل ...!!!)

 

إذن نحن أمام تأثر مباشر بالمشهد الدولي، فالعناصر التي تعرقل ولادة الحكومة معروفة وظاهرة، وبالتالي سوف لن يكون هناك ولادة للحكومة اللبنانية بالمدى المنظور، قبل أن تبدأ مراسم التفاوض التي تريدها إيران حول ملفها النووي، فهي تستعمل الورقة اللبنانية والسورية والعراقية واليمنية بشكل أساسي للضغط في دعم موقفها ورفع سقفه، وتزيد من متطلباته قبيل بدء جولة جديدة من التفاوض، يُكسب طهران مزيدا من النفوذ والعبث في المنطقة، إذا ما انتهى التفاوض بالإتفاق.

 

ولكنَ السؤال الأهم هنا... هل سيكون الشهيد لقمان سليم الورقة الأمنية الوحيدة الضاغطة من خلال المسرح اللبناني، أم أن هناك أكثر من لقمان سيلقون نفس المصير في سبيل أن تحقق طهران وحلفائها ما تريد دوليا ؟؟؟!!!