مع ارتفاع حدة الاشتباك بين رئيس الجمهورية ميشال عون والرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري، بدا أن الأمور أصبحت على درجة كبيرة من التصعيد الذي أطاح بعملية تشكيل الحكومة التي أضحت في عالم الغيب. من الواضح أن خطاب الحريري يؤسس إلى مرحلة جديدة، يمكن اختزالها بثلاث نقاط، النقطة الأولى هي الحفاظ على التهدئة السياسية الداخلية على قاعدة ربط النزاع ومنع إعادة التوتر المذهبي السني الشيعي. النقطة الثانية إعلان المواجهة الحقيقية مع عون، ورفض الإبتزاز الذي يستخدمه وباسيل في مسألة تمثيل المسيحيين، مذكراً بإلتزامه بالمناصفة والحرص على الصلاحيات والتمثيل المسيحي الحقيقي، أما ثالثاً فهي التركيز على استعادة علاقات لبنان الخارجية، من خلال تعزيز العلاقات مع دول الخليج بالدرجة الأولى لأنها الطرف الأساسي في أي عملية مساعدة لتحقيق الإنقاذ الإقتصادي.

 

 

موقف الحريري تكامل سياسياً مع موقف جنبلاط، والذي وضع إطاراً عاماً للمرحلة المقبلة، بينما عون لا يزال يفكر بطريقة إنتحارية على قاعدة عليّ وعلى أعدائي، وهي سترتد بشكل سلبي أكثر على اللبنانيين ككل.

 

ويلخّص هذا المشهد موقف القوات من التطوّرات السياسية الأخيرة مع التأكيد على وقوفها إلى جانب الحريري في مسعاه، وأنها لا تعمد إلى تحميله المسؤولية بل توجّه أصابع اللوم إلى فريق العهد وأحزاب الأكثرية الحاكمة، فيما كلّ ما تسعى إليه هو العمل على بلورة قناعة لديه بأنّ ما من فرصة للإنقاذ في ظلّ هذه الأكثرية الحاكمة.

 

الحزب وجد في خطاب الحريري تمسكا بشروطه وهذا سيزيد من حجم الازمة الحكومية، لكنه ايضاً لم يذهب الى التصعيد الذي لا عودة عنه.وان الحريري لا يزال خيارا اساسيا بالنسبة للحزب لاسباب عدة ابرزها الحاجة الى الحد الادنى من الاستقرار الداخلي والى من يضبط الشارع ويساهم في منع حصول فتنة مذهبية او طائفية، وبالتالي فان الاخير ليس في وارد قطع طرق التواصل معه، خصوصا ان الحريري نفسه لم يقطعها ، بل لا يزال يحيد الحزب عن اي اشتباك خطابي او سياسي. الحزب سيستمر بالعمل وفق قاعدته الذهبية والتي تتعلق بالازمة الحكومية لا استغناء عن الحريري او فتح اشتباك معه، ولا حكومة لا يرضى عنها الرئيس ميشال عون. الحزب لن يدخل حلبة الاشتباك السياسي المتصاعد الى جانب التيار الوطني الحر لكنه سيدعم حليفه سياسيا وسيمنع اي محاولة لتجاوزه حكوميا او عزله سياسيا.

 

إقرأ أيضا : الإفراج عن الحكومة في رفع العقوبات عن باسيل

 

 

ازاء كل ما تقدم، يبدو ان حزب الله سيحافظ على علاقته مع الحريري وتواصله الدائم معه  كما حصل في الفترة الماضية، لكنه في الوقت نفسه سيكون حاميا لحليفه، ما يعني ان الملف الحكومي مُرحل الى الاشهر المقبلة ، وبنتظار مفاعيل خطاب السيد نصرالله الذي امسك العصا في ما خص الوضع الداخلي من الوسط، فهو لم يحمل أحداً أي اتهام بعدم تأليف الحكومة، لكنه استدرك ان الكلام عن قرار دولي تحت البند السابع بشأن الحكومة هو دعوة إلى الحرب، رافضاً أي شكل من اشكال تدويل الوضع في لبنان،وأشار إلى انه من غير المنصف تحميل مسؤولية عدم تأليف الحكومة إلى رئيس الجمهورية، متسائلاً: لماذا حصر عدد الحكومة بـ18 وزيراً، وما المانع من رفع العدد إلى 20 أو 22 وزيراً؟ وقال لا يمكن للخارج ان يُساعد إذا لم نساعد أنفسنا، محذراً من أن هناك من يريد ان يأخذ البلد إلى الانفجار من خلال ما يجري على مواقع التواصل الاجتماعي

 

أكد المكتب السياسي لحركة أمل، ان مبادرة الرئيس نبيه بري ما زالت تشكل المخرج للجميع من أجل إخراج التشكيل الحكومي من العقد التي وصل اليها، وللإستفادة من مبادرات الدول الصديقة لمساعدة لبنان.

 

بالخلاصة الحكومة العتيدة بعيدة. فالإشارة التي انتظرها البعض من الأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله، لخرق جدار الأزمة الحكومية من خلال إطلاق موقف يدفع عملياً باتّجاه الإفراج عن عملية التشكيل من أسر حليفه في قصر بعبدا للأسف لم تأتِ، بل خرج نصرالله بموقف ضبابي تناغم فيه بموضوع رفض الثلث المعطّل مع رئيس مجلس النواب، نبيه بري، والرئيس المكلّف، سعد الحريري،  ورئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط. وفي المقابل دعا الحريري إلى إعادة التفكير في خيار حكومة من 20 وزيراً، ما يعني عملياً أن لا جديد هذا الأسبوع أيضاً على المستوى الحكومي. 

 

إزاء ما تقدم لا بد من الاشارة إلى أن إصرار الرئيسين عون والحريري على شروطهما المتبادلة يعني بشكل واضح ان ولادة الحكومة لن تكون سهلة بالمدى المنظوروفي الوقت ذاته على ان الأمر بات يحتاج إلى صدمة أو صدمات متتالية من شأنها ان تنقذ الوضع الحكومي من الشلل الذي أوقعته به التجاذبات السياسية.