في نقاشٍ هادئٍ لخطاب السيد حسن نصرالله أمين عام حزب الله( كما يرغب سماحته بعيداً عن الإسفاف والإهانات)، يتجلّى بوضوحٍ إصرار السيد بإبقاء لبنان في دوامة الإنهيار المالي والاقتصادي والاجتماعي والسياسي، فهو بدأ خطابه بالرّفض الواضح والقاطع لطرح غبطة البطريرك مار بشارة الراعي بتدويل الأزمة اللبنانية، ووضع لبنان في عهدة الأمم المتحدة، علّها تُفلح في معالجة مشاكله المستعصية على كافة الحلول، وذلك برفض الطّرح مبدئياً وإجرائياً، ووضعه في خانة التدويل والتدخل الخارجي الذي لن يعود على البلد سوى بالاخطار الجسيمة، وذلك حسب رأيه ووِفق مصالح حزبه، أمّا في العراك الحكومي بين الرأسين المتناكفين( ميشال عون وسعد الحريري ) فقد بدا انحياز نصرالله واضحاً إلى جانب رئيس الجمهورية، فهو ومع إقراره بوجوب استبعاد إعطاء الثلث المُعطل لأحد،( وهذا الذي يعمل من أجله عون وباسيل في السّرّ والعلن)، إلاّ أنّ السيد نصرالله وضع بالأمس عصاةً ثقيلة في عجلة تأليف الحكومة الجديدة، بطرحه علامة استفهامٍ عريضة حول عدد أعضاء الحكومة العتيدة، وأبدى استغرابه لتمسُّك الحريري بصيغة الثمانية عشر حقيبة وزارية، طارحاً رفعها إلى عشرين أو اثنتين وعشرين،( وهكذا دواليك، يمكن العودة إلى صيغة الأربعة وعشرين، أو العدد المُقدّس ثلاثين، والذي خرّب البلد ونهبه)، وهذا ربما يُشير إلى أنّ اجتماع دار خلدة بالأمس برئاسة طلال إرسلان لم يكن بريئاً وهو يُطالب برفع الغبن عن الطائفة الدرزية، وضرورة رفع عدد الوزراء الدروز في الوزارة القادمة، وذلك عشية خطاب السيد نصرالله، وهذا ربما يعني فيما يعنيه أن لا حكومة ولا من يحكمون في المدى المنظور، فحكومة تصريف الأعمال( المؤلّفة أصلاً وموضوعة سلفاً في خدمة حزب الله والتيار الوطني الحر) يمكنها الإستمرار في عملها، طالما أنّ الأجواء الإقليمية والدولية المحتدمة ما زالت على درجةٍ عالية من التّعقيد والتداخل والإشتباك، كما أشار نصرالله في نهاية خطابه عن الوضعين الإقليمي والدولي.

 

إقرأ أيضا : هل يرحل الرئيس عون من قصر بعبدا قبل فوات الأوان.

 

 

الملاحظ في ما يتعلق باغتيال الناشط المعارض لقمان سليم، أنّ نصرالله تطرّق لهذا الموضوع دون الإشارة إلى إسم الضحية( كِبراً واستعلاءً)، فبقيت الجريمة حادثاً صاحبه (غُفل، أي لا إسم ولا عنوان)، وبما أنّ الحادث-الجريمة استدعى اتّهاماتٍ وردودٍ عنيفة، مع ما رافقها من مُلابساتٍ وإدانات، أقلقت السيد نصرالله قليلاً، لذا اضطّرّ السيد نصرالله التّعليق عليها، ليجزم بأنّ دأب إسرائيل وديدنها اغتيال كلّ من ترى في اغتياله مصلحةً عليا لها، لذا يمكن أدراج إسرائيل في طليعة المتّهمين باغتيال ( الغُفل لقمان سليم)، والسيد وهو يستغرب مُطالبته بكشف مُنفّذي الجريمة لإثبات برائته، لم يُكلّف خاطره ولو بكلمة واحدة لينفي بها أية صلة لحزبه بارتكاب هذه الجريمة الشنعاء.

 

ملاحظة مهمة وردت في خطاب السيد نصرالله تتعلق بالشأن الداخلي، تكراره الإشادة باتفاق مار مخايل بين حزب الله والتيار الوطني الحر الساري المفعول حتى الآن، مع توجيه ملاحظة "أدبية" للتّيار العوني بالكفّ عن إبراز بعض الخلافات للعلن، وهذا ربما يعود إلى أنّ تيار جبران باسيل بات مُحرجاً جدّاً من حالة التّململ والإعتراضات المتنامية في بيئته من آثار تفاهم عون-نصرالله على الصيغة اللبنانية والدولة اللبنانية المتهالكة، وأنّ خسائر هذا الحلف جرّاء فشل تجربة الرئيس عون في قصر بعبدا فظيعة بما لا يُقاس، في حين أنّ السيد نصرالله ما زال "مُرتاحاً على دهره" في بيئته وفي دائرة سطوته وسيطرته على مفاصل الحياة السياسية والعسكرية والأمنية والإجتماعية والاقتصادية في لبنان الكبير.