بعد الانتهاء من محاكمة الرئيس السابق للولايات المتحدة دونالد ترامب في الكونغرس الأميركي وتبرئته من التهم الموجّهة اليه، من المفيد توضيح بعض الأمور حول هذه المحاكمة التي جعلت منه الرئيس الثالث الذي تتم محاكمته في تاريخ الولايات المتحدة، والرئيس الوحيد الذي حوكِم مرتين، الأولى في أواخر العام 2019 والثانية هذه السنة.

 

بادئ ذئ بدء، لا بد من التوضيح أنّ هذه المحاكمات هي محاكمات سياسية بحتة، إذ أن مجلس النواب التابع للكونغرس يقرّر، بعد مناقشات وتصويت بالأكثرية البسيطة، إن كان هنالك أسباب كافية للمحاكمة، وفي حال اتخاذ مثل هذا القرار، تُحال القضية الى مجلس الشيوخ الذي هو الجناح الآخر للكونغرس، لإجراء المحاكمة حيث يقوم أعضاء هذا المجلس بدور القاضي وهيئة المحلفين، وقرار الإدانة الذي يليه إقالة الرئيس يتّخَذ بأكثرية الثلثين. نذكر هنا أنّ أيّاً من الرؤساء الثلاثة الذين حاكمهم الكونغرس، دونالد ترامب (2021 و2019) وبل كلنتون (1998) وأندرو جونسون (1866)، لم تتم إدانتهم، ولا بالتالي إقالتهم.

 

أولاً: أسباب محاكمة ترامب الآن:

السبب المباشر الذي أدى إلى قيام الأكثرية الديموقراطية في مجلس النواب بدعم محدود جداً من الأقلية الجمهورية الى مباشرة إجراءات المحاكمة هو قيام ترامب بتشجيع مناصريه على القدوم بأعداد ضخمة الى واشنطن، يوم اجتماع الكونغرس في 6 كانون الثاني، لتثبيت نتيجة الإنتخابات لمصلحة جو بايدن، ومن ثم تحريضهم، في خطابٍ قوي اللهجة ألقاه من أمام البيت الأبيض، على القيام بكل ما يمكن القيام به من أجل عدم القبول بنتيجة الإنتخابات، وهو يُشيع خاطئاً انّ الديموقراطيين سرقوا الانتخابات التي هو الفائز الفِعلي فيها وبأكثرية ساحقة، علماً أنّ بايدن حصل على 7 ملايين صوتاً أكثر من ترامب و306 أصوات من المجمع الإنتخابي لقاء 232 لترامب.

جدير بالإشارة هنا الى أنّ ملايين عدة من مناصري ترامب يُدينون له بولاء أعمى، ويصدّقون كل ما يقوله بلا تردد، فما كان منهم، بعد الإستماع الى خطابه في ذلك اليوم، إلّا أن توجّهوا الى مبنى الكونغرس واقتحموه بالقوة، ما أدى الى تعطيل الاجتماع واختباء أعضاء الكونغرس في أحد أجنحة المبنى، كما احتلوا قاعة الاجتماع وعاثوا خراباً ببعض المكاتب، وتشاجروا مع حرّاس المبنى الذين لم يتمكنوا من منعهم من الدخول نظراً لأعدادهم الكبيرة، الى أن تمّت الاستعانة بالحرس الوطني الذي أجبرهم على الخروج، كما أنّ ترامب دعاهم أيضاً الى إنهاء الاقتحام والعودة الى منازلهم، قائلاً لهم انه يحبهم ويُقدّرهم.

  نتج من هذا الاقتحام مقتل أحد عناصر حرس المبنى و4 من المتظاهرين، وجرح 140 شخصاً من رجال الأمن، لكنّ أعضاء الكونغرس عادوا الى الاجتماع ليلاً وثبّتوا بايدن رئيساً.

 

ـ ثانياً: مُجريات المحاكمة:

بعد اتخاذ مجلس النواب قرار محاكمة ترامب، عيّنت رئيسة المجلس نانسي بيلوزي، وفقاً للأصول، 9 من الأعضاء الذين حملوا قرار المحاكمة ونقلوه الى مجلس الشيوخ الواقع في قاعة مقابلة لمجلس النواب، ويؤدي هؤلاء الأعضاء دوراً موازياً لدور المدعي العام في المحاكم القضائية.

للتوضيح، إنّ مجلس الشيوخ الذي يعدّ 100 عضو، 2 عن كل ولاية، هو حالياً مقسوم بين 50 عضواً للديموقراطيين و50 للجمهوريين منذ الانتخابات الأخيرة، وعند التساوي في الأصوات، يصوّت نائب الرئيس، الذي يعتبر رئيس المجلس وفقاً للدستور، الى جانب حزبه لتأمين الأكثرية.

تَقرّر أن يبدأ مجلس الشيوخ محاكمة ترامب في 9 شباط الحالي، وبما أنّ أكثرية الأعضاء الجمهوريين يؤيّدون ترامب ولا يريدون محاكمته، فقد أثاروا المادة في الدستور التي تحدّد أصول محاكمة الرؤساء، إذ انه لا يوجد في الدستور أيّ إشارة إلى محاكمة الرؤساء السابقين. وترامب قد أصبح رئيساً سابقاً، فكان رَد الديموقراطيين أنّ عدم محاكمة رئيس سابق قد يحمل رؤساء في المستقبل على القيام بأعمال غير قانونية وغير دستورية قبل مغادرتهم السلطة بأيام، إذ يعرفون عدم إمكانية محاكمتهم.

تقرّر عندئذ التصويت على قانونية هذه المحاكمة لرئيس سابق وذلك يتطلّب غالبية بسيطة فقط، فصَوّتَ عدد قليل جداً من الأعضاء الجمهوريين الى جانب زملائهم الديموقراطيين، واتُّخِذ قرار يقضي بدستورية محاكمة ترامب بأكثرية 54 صوتاً.

قدّم أعضاء مجلس النواب التسعة الذين يسمّون مدراء المحاكمة، بالتناوب في ما بينهم، التهم الموجّهة لترامب بالتفصيل والأدلة الثبوتية، ثم قدّم محامو الرئيس المتهم ردودهم على الإتهامات، وفي اليوم الأخير من المناقشات في 13 الجاري، تم التصويت على قرار العزل الذي قدّمه الديموقراطيون ويتطلب أكثرية الثلثين، أي أنّ قرار الإدانة يحتاج الى 67 صوتاً. لكنّ نتيجة التصويت كانت 57 للإدانة و43 للتبرئة، ما يعني أنّ 7 أعضاء جمهوريين فقط صَوّتوا الى جانب الديموقراطيين الخمسين، فأعلن رئيس الجلسة تَبرئة الرئيس السابق ترامب.

جدير بالملاحظة هنا أنّ أكثرية أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين صَوّتوا الى جانب تبرئة ترامب، لأنهم يخشون أن يحاربهم في الانتخابات التشريعية في أواخر السنة المقبلة بفضل قاعدته الانتخابية الملتزمة به التزاماً تاماً. ولذلك، فإنّ الديموقراطيين يَصِفون زملاءهم الجمهوريين المؤيّدين لترامب بالجبناء والضعفاء، ولا شك في أنهم سيركّزون على هذه الأوصاف والمواقف في الانتخابات التشريعية المقبلة.

 

ثالثاً: ملاحظات حول هذه المحاكمة وما سينتج منها:

هذه النتيجة السلبية كانت متوقعة قبل المباشرة بالمحاكمة، لأنها، كما قلنا في البداية، هي محاكمة سياسية بَحتة والديموقراطيون لا يملكون أكثرية الثلثين في مجلس الشيوخ، فلماذا بَذلوا هذا الجهد الكبير مع علمهم المُسبق بصعوبة النجاح؟

 

بطبيعة الحال، اعتقد الديموقراطيون أنهم قد يستطيعون كسب تأييد عدد من الأعضاء الجمهوريين نظراً لقوة حجّتهم، إذ انّ ترامب حَرّض على اقتحام مبنى الكونغرس ما تسبّب بوفاة عدد من الأشخاص، كما أنه ما زال يرفض الاعتراف بنتيجة الإنتخابات ويُشيع أنه هو الفائز ومناصروه مقتنعون بذلك، كما أنه حاول الضغط على بعض المسؤولين عن الانتخابات في بعض الولايات لقلب النتيجة لمصلحته.

   

السبب الآخر والأهم هو أنّ الديموقراطيين كانوا يَسعون الى تحطيم مستقبل ترامب السياسي لكي لا يترشّح ثانية للرئاسة أو لأي منصبٍ قيادي آخر، إذ انّ اتخاذ قرار العزل يَليه مَبدئيّاً قرار يحرم دستورياً الرئيس المعزول من توَلّي أي منصب في الدولة.

 

لكن يبدو أنّ حسابات الديموقراطيين في وضعِ حدٍ لنشاط ترامب السياسي أخطأت، وإعلان براءته سيكون له انعكاس ملموس على الساحة السياسية الأميركية. فقد أعلن ترامب، فور صدور قرار تبرئته، أنّ الحركة السياسية التي أسّسها مستمرة وستبدأ الآن بزَخمٍ جديد، والحزب الجمهوري، الذي انسحب منه عدد غير قليل من الشخصيات الفاعلة، أصبح وكأنه حزب ترامب، خصوصاً بعد انحراف قسم لا بأس به من أعضائه نحو التطرّف اليميني، وتَبنّي انحياز واضح للذين هم من العرق الأبيض واعتبار البيض متفوّقين، وكرههم للأفارقة الأميركيين، ومُعاداة المهاجرين والمسلمين. وهذه المواقف، التي أصبح الحزب الجمهوري يؤيّدها بصورة غير علنية، أدّت الى انقسام الحزب بين فريق ترامب الذي يتبنّى هذه التوجهات وسائر الأعضاء الذين ما زالوا متمسّكين بمبادئ الحزب الأساسية.

 

على صعيد آخر، ونتيجة لعدم اعتراف ترامب بفوز بايدن شرعيّاً، سيعتبر بضعة ملايين من الأميركيين بايدن رئيساً غير شرعي، ما سيُعقّد مساعي الرئيس الجديد في رأب الصدع الذي تسبّب به ترامب في المجتمع الأميركي، كما أنّ انحياز عدد كبير من أعضاء مجلسَي الشيوخ والنواب للرئيس السابق من شأنه أن يعرقل برنامج بايدن في إصدار القوانين والقرارات التي يعتزم إصدارها وتَبنّيها، بحسب وعوده في الحملة الإنتخابية.

 

وفي الختام، يمكن القول انّ المجتمع الإميركي منقسم حالياً انقساماً كبيراً، ومن المتوقع أن يزداد هذا الانقسام على رغم مساعي بايدن الصادِقة لمعالجة هذا الوضع، وربما تحصل أعمال عنف عندما سيتعرّض ترامب لمحاكمات أمام المحاكم العادية، نظراً الى الشكاوى التي كانت مرفوعة ضده في بعض المحاكم قبل تَولّيه الرئاسة، والتي جَمّدتها الحصانة الرئاسية، وهي دعاوى تعود الى إساءة استعمال أموال لجمعيات خيرية كان قد أسسها وهو يترأسها، ودعاوى تعود الى اعتداءات جنسية كان قد اتُّهم بها، وهي جرائم لا يطاولها مرور الزمن. وفي حال خسر ترامب هذه الدعاوى مع احتمال صدور قرار بسجنه، وهذا أمر غير مستحيل وإن كان حصوله صعباً جداً، سيصبح من المحتمل جداً تجنيد مناصريه للتحرك في الساحات العامة ومراكز الدولة، مثلما فعلوا عندما حرّضهم على اقتحام مبنى الكونغرس.