رحل الرئيس التونسي زين العابدين بن علي بعد الإنتفاضة الشعبية ضدّ حكمه قبل أكثر من عشر سنوات، وكان النظام التونسي من الأنظمة الراسخة والمتماسكة ظاهرياً، وما زالت صورة الشاب التونسي "بو عزيزة" الذي أحرق نفسه فداءً لحقّه بالعيش الكريم، ماثلةً للأذهان، وما زال صوت الشاب التونسي الذي وقف وحيداً في الشارع المهجور يصرخ بأعلى صوته: بن علي هرب..بن علي هرب.. يتردّد صداهُ في ضمائر الشعوب التّواقة للحريّة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية، أمّا الرئيس المصري السابق حسني مبارك، فقد حاول مغالبة الإرادة الشعبية واتّكل على القوى الأمنية لدحر الثورة، إلاّ أنّ الفوز كان من نصيب الثوار، واضطر الرئيس مبارك للإستقالة وتسليم السلطة للجيش.

 

وفي ليبيا، أمضى الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي فترة حكمه الطويلة وهو يُبشّر بعصر الجماهير، حتى إذ خرجت الجماهير لتقول كلمتها وتطالب بالديمقراطية والحريات الأساسية، تنكّر لها وحاول قمعها، وبما أنّ الغرب كان مستعجلاً للخلاص من نظام القذافي( الغريب الأطوار)، فسارع للقضاء عليه عسكريّاً، حتى قُتل القذافي في طريقٍ صحراوي، في الصحراء التي كان يدّعي عشقها وتفانيه بها، بدليل الخيمة التي كانت ترافقه في حلِّه وترحاله. في اليمن قاوم الرئيس السابق الراحل علي عبدالله صالح انتفاضة اليمنيّين، ولجأ إلى مختلف الولاءات القبلية والعصبية والعسكرية لإطالة أمد حكمه، حتى أُصيب إصابةً بالغة في القصر الجمهوري، ونُقل إلى المملكة العربية السعودية للعلاج، وعاد للبلاد واضطرّ للإستقالة وتسليم السلطة والتّنحي عن الحكم، قبل إعدامه بعد ذلك من الذين عاد وتحالف معهم في العاصمة صنعاء في انشقاقهم الأخير والذي ما زال قائماً، وكان قد سبق هؤلاء سقوط الرئيس الراحل صدام حسين بعد الغزو الأمريكي للعراق في العام ٢٠٠٣.

 

إقرأ أيضا : الرئيس الحريري لم يأتِ بجديد في بعبدا ولا في خطابه اليوم.

 

 

أمّا في سوريا، وبعد فترة حكم آل الأسد التي استمرت لأكثر من نصف القرن، وكان من المفترض أن يلحق الرئيس بشار الأسد بأقرانه الطغاة في تونس ومصر وليبيا واليمن والجزائر، وأخيراً في السودان بعد اندلاع الثورة السورية قبل عشر سنوات، فإذا به يُثبت أنّه سيّد الطغاة بتمسُّكه في السلطة، وسيد الجبروت في تدمير البلد وترحيل أبنائه، وذلك بفضل المدد الروسي والإيراني، وميليشياتٍ مذهبية مؤيّدة بجنودٍ من الملائكة لم تروها ولن تروها، دون أن ننسى فضل الحماية الإسرائيلية وعطفها على النظام طوال السنوات العشر الماضية.

 

عندنا في لبنان، ورغم الإنهيارات المأساوية على كافة الصُّعُد، فما زال رئيس جمهورية لبنان الكبير لا يُفكّر مجرّد التفكير في الرحيل، حتى وصل الأمر عند غبطة البطريرك مار بشارة الراعي للمطالبة بحماية  دولية ربما تنقذ ما تبقّى من هذه الدولة المتهالكة، وهذا ربما عوضاً عن الإفصاح بمطالبة الرئيس ميشال عون بالرحيل قبل فوات الأوان، إلاّ أنّ تاريخ المُستبدّين والفاشلين لا يُبشّر كثيراً بقرب الفرج، وهم لا يرون سوء المنقلب إلاّ بعد وقوعه.