التوتر الذي يسيطر على الواقع السياسي اللبناني، وإحدى دلائله استمرار الفراغ الحكومي منذ ستة أشهر،و لبنان أمام انسداد كامل ولا حلول في الأفق. يتمُّ تظهير الأزمة على أنها خلاف على الصلاحيات والحصص والحقائب والأسماء بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف تشكيل الحكومة. هذا جزء من المشكلة، لكنه ليس كلها. السبب الحاسم ذاتيّ وشخصي،وله علاقة مباشرة بالمستقبل السياسي لصهر الرئيس. يقول أحد العارفين: إذا لم يأتِ أحد ليطمئنميشال عون على مستقبل جبران باسيل، ستبقى رئاسة الحكومة عالقة. باسيل على لائحة العقوبات الأميركية، مستقبله معلّق ويحتاج حلاً من الأميركيين. لا كلام مطلقاً أن إدارة جو بايدن تنظر إلى لبنان على أنه أولوية، ولا مسار رفع العقوبات سهل بل هو طريق طويل.

 

الى ذلك فرئيس الجمهورية متمسك بتسمية ستة وزراء في حكومة من18 وزيرا تحقيقاً للشراكة، بسبب عدم مشاركة تكتلين كبيرين مسيحيين في الحكومة وهما «تكتل الجمهورية القوية» و»تكتل لبنان القوي»، وبالتالي اصبح لزاماً ان يسمي الرئيس عون ستة وزراء، في وقت ان الرئيس المكلف سعد الحريري اتفق مع المردة على اسم الوزير الذي يريده التيار، وحزب الطاشناق سمّى بشكل منفرد ومستقل وزيره، والحريري ايضاً اختار وزيرا مسيحيا، وبقي ستة وزراء من الواجب ان يعمد الى تسميتهم رئيس الجمهورية.

 

لم تبدّل الزيارة المفاجئة التي قام بها الرئيس المكلف سعد الحريري لقصر بعبدا غداة عودته من باريس وعقده الاجتماع الخامس عشر مع رئيس الجمهورية ميشال عون في اطار اجتماعات مسار تشكيل الحكومة صورة الازمة الحكومية، وربما زادتها قتامة، ولكن ذلك لم يحجب الدلالات البارزة التي تركها هذا التطور. ذلك انه اذا كان الحريري نفسه صارح الرأي العام بعد نحو نصف ساعة استغرقها الاجتماع مع عون بعد طول انقطاع بينهما بان أي تقدم لم يتحقق في تذليل العقبات امام ولادة حكومته، فان ذلك استدعى تساؤلات فورية عما اذا كانت الازمة تحولت الى كباش مكشوف حول استمرار رعاية الوساطة الفرنسية بقرار من الفريق المعطل للتشكيل أي العهد والتيار الوطني الحر بدعم ضمني من حزب الله، وهل يملك هذا الفريق قرارا واضحا وتوقيتا واضحا للافراج عن الحكومة وبأي شروط وبأي معايير إقليمية بعدما صارت قصة المعايير التي يرفعها اشبه بواجهة شكلية ملبننة لاهداف إقليمية لم تعد محجوبة على احد. والواضح في هذا السياق ان الرئيس المكلف في زيارته لقصر بعبدا غداة عودته من جولة خارجية شملت مصر ودولة الإمارات وفرنسا وعشية احياء الذكرى الـ16 لاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ، أحدث تحريكا للمستنقع السياسي والحكومي من خلال اثباته الرغبة في كسر الجليد مع عون وإظهار احترامه لموقع الرئاسة باطلاعه على الأجواء التي توافرت له خلال جولته. 

 

إقرأ أيضا : البطريرك اللبناني يدق ناقوس الخطر

 

 

استقبل رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ظهر اليوم في قصر بعبدا، رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري بطلب منه وتشاور معه في موضوع تشكيل الحكومة العتيدة بعد الجولات التي قام بها الرئيس الحريري الى الخارج ، حيث تبين ان الرئيس المكلف لم يأت باي جديد على الصعيد الحكومي.وعن موقف رئيس الجمهورية فأن البيان الصادر من قصر بعبدا كاف وواف مؤكدة أن الزيارة عقيمة، إذ عاد الرئيس المكلف وفق هذه المصادر إلى طرحه الأول المرفوض ورفضه رئيس الجمهورية وكأن الحريري لم يسافر لا إلى القاهرة ولا إلى الأمارات ولا إلى فرنسا ولم يعد منها بعد عشاء ويطلب الموعد في الصباح الباكر لزيارة رئيس الجمهورية فيعطى. وكان الأمل أنه آت بشيء جديد وفق المصادر شيء يراعي وحدة المعايير بين الطوائف والمكونات السياسية طالما أن هناك من يسمي مشيرة إلى أنه يبدو أن المشكلة في مكان آخر ولم يستطع من نقلها إلى قصر بعبدا.

 

وتؤكد أن مجريات الأمور لا توحي كثيراً بتفاؤل بإمكانية التخفيف من وطأة الأزمة القائمة، في ظل رفض السلطة القائمة الاستجابة لمطالب الشعب في التغيير المنشود، وهذا ما يظهر بوضوح من خلال سعي الفريق الحاكم إلى الضغط للحصول على الثلث المعطل في الحكومة الجديدة، ما يشير بوضوح إلى أن لا نية للإصلاح إذا استمر هذا الفريق متحكماً بمفاصل السلطة وقابضاً على مقدراتها مع حلفائه، الأمر الذي يفرض الإسراع في التغيير من أجل مصلحة البلد والناس، وهذا لا يتحقق إلا بإجراء انتخابات نيابية مبكرة تعيد انتاج السلطة .

 

أن زيارة الرئيس الى بعبدا والتي اتت بتمن فرنسي ادخلت الملف الحكومي في نفق مجهول ،و هكذا بكل بساطة ، حتى لا نقول بكل صفاقة، أوصد بيان قصر بعبدا أبواب الأمل والفرج القريب في وجه اللبنانيين الذين يئنّون من الغلاء الفاحش، وفقدان أموالهم في المصارف، وتفشي البطالة الذي يسابق إنتشار جائحة الكورونا.

 

بالمحصلة، امام هذا الواقع الكارثي، وعجز المنظومة الحاكمة عن تأليف حكومة بعد ستة أشهر ونيّف على وقوع نكبة إنفجار المرفأ وإستقالة حكومة دياب، ماذا يعني بقاء السلطة الحالية، وماذا يبقى من مقومات الدولة اللبنانية، بل أي مصير بائس ينتظر اللبنانيين في الأشهر المتبقية من ولاية العهد الحالي، ازاء كل هذه التعقيدات، والمناورات السياسية العرجاء، وفشل المنظومة الحاكمة الفاسدة في معالجة الأزمات المتراكمة وإبقاء أبواب الحلول الداخلية موصدة، هل يُلام غبطة البطريرك الراعي على دعوته لمؤتمر دولي لإنقاذ وطن الارز.