بات من الصعب جداً الفصل في ان كان الحراك الداخلي سيؤدي الى انفراجة حكومية، أم انّ النتيجة باتت رهن الحراك الخارجي الذي يقوده الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون. لكن ما هو مرتقب من تفاهمات دولية بدأ يطل بقرنه، إن فشلت المساعي المبذولة، وهو ما ادّى الى تسرّب الحديث عن رعاية دولية للحل تستند الى الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة. وعليه، فهل أنّ ما حُكي عنه أخيراً هو «زلّة لسان» ام «كشف المستور» ؟!

 

لم يعد الحديث المتداول في الكواليس السياسية والديبلوماسية عن ادوار دولية واممية لمقاربة وجوه الأزمات اللبنانية خافياً على احد. ومرد ذلك الى ما بلغته الأزمات المتفاقمة والتي تشابكت وتناسلت الى حدٍ كبير وغير مسبوق وعلى اكثر من صعيد. ويكفي تعدادها، ان توقف المراقبون امام ما قاد اليه انفجار المرفأ في عزّ الأزمة الاقتصادية والنقدية التي تعاني منها البلاد، ولم يكن يتوقّعها احد من اركان السلطة واصحاب القرار، ولم يتمكن اي منهم من لجمها، ومعها جائحة كورونا، التي بلغت الذروة في انتشارها ونتائجها المدمّرة لقطاعات الصحة والاستشفاء والتربية، قياساً على حجم الفشل في مواجهة أي منها. وهو ما قاد المجتمع الدولي الى قراءة هذه التطورات بعيون جديدة، دفعت الى تبنّي المبادرة الفرنسية ورعايتها، طالما انّها المبادرة الوحيدة المتاحة، والتي استقطبت الاهتمام الدولي طوال الاشهر الستة الماضية.

 

على هذه الخلفيات، ظهر واضحاً إحياء المبادرة الفرنسية الجديدة، انطلاقاً من الملف الحكومي كأولوية، في اعتباره الخطوة الاولى التي لا بدّ منها لإعادة النظر في الخطوات التي قالت بها منذ اطلاقها في الاول من ايلول الماضي. فقد بات واضحاً التركيز الدولي على هذه الخطوة، على انّها المرحلة الاولى والإجبارية من «خريطة الطريق» التي رسمها ماكرون شخصياً وتبنّتها المؤسسات الأممية ومعها الاتحاد الاوروبي، وما استجد من تنسيق فرنسي ـ اميركي بعد وصول الرئيس الاميركي الجديد جو بايدن الى البيت الابيض.

   

وإن توغلت المراجع السياسية والديبلوماسية في قراءة التطورات الجديدة سعياً الى رسم «الصورة التشبيهية» بصيغتها الشاملة، فقد رأت ترجمتها في حركة الاتصالات التي رفعت الرئاسة الفرنسية من منسوبها، وشجعت بقية الأطراف الاوروبيين وبعض العرب على ملاقاتها، عقب الاتصال بين ماكرون وبايدن، والتي ما زالت في بداياتها. فهي التي كانت سبباً في إحياء بعض المبادرات الداخلية، ومنها تلك التي اطلقها رئيس مجلس النواب نبيه بري، ومعه اكثر من طرف داخلي، تزامناً مع الحراك المستجد للرئيس المكلّف سعد الحريري في اتجاه مصر ودولة الامارات العربية المتحدة، في إطار جولة ستنتهي في باريس، قبل ان يعود الى بيروت قبيل الذكرى السادسة عشرة لاغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط الجاري.

 

وتزامناً مع هذا الحراك، توسعت السيناريوهات المتداولة على نطاق ضيّق. فإلى المعطيات الغامضة التي ما زالت تكتنف مصير الاتصالات الخارجية، فقد تحدث بعض المعلومات عن هامش ضيّق امام المعنيين بمراحل التأليف، وأنّ عليهم حسم بعض المواقف والحدّ من نسبة المطالب «الهمايونية» التي تعوق التفاهم على التشكيلة الحكومية، التي رسمت لها المبادرة الفرنسية اطاراً لا يمكن الخروج عنه بسهولة، رغم بعض المحاولات التي جرت لتجاوزها ولا سيما تلك التي تحدثت عن حكومة من الحياديين المستقلين غير الحزبيين، فلا يقف الامر عند عدم تمثيل «حزب الله» فحسب - كما يحاول البعض بالإيحاء ـ بل يتعدّاه الى بقية المكونات الحزبية، فيما بلغ الفساد حداً لم يعد يحتمل.

 

ولا داعي للتذكير في هذا المجال، بالحاجة الدولية الى «حكومة ثقة»، تثبت قدرتها على تنفيذ الاصلاحات التي طال انتظارها. كما بالنسبة الى احياء المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، لمجرد توحيد ارقام الخسائر في مصرف لبنان والقطاع المصرفي، والإقلاع بالخطوات الاولى على طريق التدقيق الجنائي، وهي التي تفتح الطريق أمام إعادة ترميم العلاقات مع الدول والمؤسسات المانحة، التي عبّرت عن رفضها التعاطي مع الفريق الذي تحكّم بالبلاد في الفترة السابقة، ولم يكن من بدّ لمقاطعته ومحاصرته وقطع كل اشكال الاتصالات معه، الى حدود الحصار المالي والاقتصادي المضروب والإهمال الديبلوماسي، تجاه ما يحصل في لبنان، ما عدا تلك المبادرات التي إنطلقت تحت عناوين انسانية واجتماعية وطبية، دفع اليها انفجار المرفأ ومعه تداعيات جائحة كورونا.

 

وعلى هامش الحديث عن المِهل التي أُعطيت للبنانيين للحل، تسرّب الحديث عن مشاريع لرفع الملف الى الأمم المتحدة، عن طريق مؤتمر دولي نادى به البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي امس الاول، أو أي مبادرة اخرى، تقود الى حراك دولي قد يؤدي الى الاستناد للفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة، ان بلغت الأزمة حدود اعلان فشل السلطة في ادارة شؤون البلاد والعباد. وهو ما تسرّب من حديث متنامٍ في اكثر من موقع رسمي، عبّر عنه أمين سر كتلة «التنمية والتحرير» النائب انور الخليل، في تغريدة لافتة استجرّت ردود فعل متناقضة لم تقارب جوهر الموضوع. فما طرحه الرجل في تغريدته التي توجّه بها الى رئيس الجمهورية داعياً ايّاه الى «عقد العزم والسير في الحل الذي يحفظ كرامة لبنان»، كان واضحاً. فهو لفت، بعد التذكير بمبادرة بري، الى حلين: «إما تلقف مبادرة الرئيس بري التي أكّد متابعتها حتى نهايتها، أو قد يفرض الحل تحت البند السابع لميثاق الأمم المتحدة».

   

وفي الوقت الذي اكّد الخليل انّ ما قصده يركّز على «التحذير من واقع سياسي قد نصل إليه» لاحقاً، جاءت الردود على مضمون التغريدة بالتذكير بقضايا شخصية، او تلك التي تتصل بملفات أخرى تُستخدم في السوق السياسية ولا تقارب المخاطر المترتبة على البلاد، في غياب حكومة فاعلة بكل المواصفات الدستورية، تعيد انتظام العمل في المؤسسات الدستورية.

 

ومن دون الدخول في كثير من الجدل الذي قد لا يؤدي الى اي خطوة ايجابية، طُرح السؤال: هل ما تحدث عنه الخليل هو مجرد «زلّة لسان»، ام انّه افصح عمّا يجري في بعض الكواليس السياسية والديبلوماسية التي يشارك فيها، وما زالت تحفل بكثير من الأسرار. وفي الحالتين، ليس مستغرباً الوصول الى مثل هذه الخطوات إذا فشلت المبادرات الداخلية والخارجية، وإن سبقتها مجموعة من العقوبات المحتملة من الاتحاد الأوروبي ومن مصادر اميركية ودولية اخرى. وانّ الايام المقبلة ستتولّى الفصل بين كل ما هو مطروح.