وطنكم ينخفض فيه مستوى العيش ويزداد فيه أعداد الجوعى والعاطلين عن العمل، وازداد فيه الخوار والتمزُّق والضعف والمزارع والكانتونات، ويزداد إعوجاجاً وتبعية وبغيضة، حتى أصبحنا شعباً مهمَّشاً ومهشَّماً تعبث فيه روائح المارَّة الكريهة، وأنفاس من يلتف حوله من باعة التين والدين وتجَّار العملات الرخيصة.
 

تعالي يا عرَّافة الأوطان، واقرأي لنا فنجان البُن، حدِّثينا عن الوطن والأرض والمدن والقرى، بعد أن أكل صدأ الصمت عُكاز العمر، وخربش المسامع سكونٌ بعيد، وسط ضجيج قوافل الفحول الجواهل. وبعد أن سخَّرنا حياتنا وثقتنا لحفنةٍ تتقن فن تجارة الدين والدنيا، وجعلتنا دُمى، خيوطها بأصابعهم، يُحرِّكونها وفق مصالحهم ورغباتهم، وبعنا أحلامنا للمشعوذين والغشَّاشين، فباعونا بأبخس ثمن، وسوَّقوا لنا أحلاماً وشعارات التي زرعت في نفوسنا أوهاماً، فاشتريناها وأكثرنا من الشراء.

 

 حاصرونا قبل أن يحاصرنا الأعداء، وزيَّنوا لنا الفقر والتسوَّل والموت، حتى ألفنا ذلك، وباتت ثقافتنا اليومية. 

مزَّقتم الوطن، وحولتمونا إلى ملل ونحل ودكاكين، وإلى مزارع وإقطاعات، وحولتمونا إلى سجون وأقبية، والأقفال محكمة الإغلاق، فأصبحنا نعيش المأساة، وحولتموها إلى ملهاة، وملهاتنا إلى مأساة.

 

 قتلتمونا بلا أي رادع، حتى الأطفال قتلتم طفولتها، وأولادنا بلا مستقبل، كل ذلك كرمى ليعونكم ولحاكم، لا أنتم ولا أولادكم بأغلى منا ومن أولادنا، أنتم تعتاشون على ظهور الشرفاء، ولولا الشرفاء والفقراء، لم تعرفوا أنتم وأولادكم، بل لم يسمع بكم أحد.

 

 

إقرأ أيضا :الجماهير وحبال البطل....!

 

 

 

 أعطيناكم طفولتنا وشبابنا وحياتنا، حتى بتنا نعيش الفقر والحسرة، أعطيناكم بلا مقابل، لكنكم أنكرتم جميل المحسنين، وما زلتم تسربون الوطن والعيش بين بطونكم وألسنتكم المالحة صدقاً، وتسربون شعاراتكم وأفعالكم وتنقضون كل شيء، وتقسمون أيماناً مغلظة وتحنثونها، سرقتم وأكلتم الحقوق وضربتم بها عرض الحائط، كرمى لعيونكم ولحاكم ما بين الأسود والأبيض، وملئتم بنوك أوروبا وسويسرا بأموالنا وأموال الشعب المنهوبة، وهكذا نقضتم العهد والثقة التي أعطيناكم وخوَّلناكم، فتركتمونا نتخبط في حُفر الموت والطرقات، وضاقت بنا الأزقة والأحياء والمقابر والغرف، فبتنا نبحث عن أماكن للأمن والأمان ولقمة عيشٍ في بلادٍ بعيدة.

 

 

الوطن يتناقص كل يوم، من مساحته، من أعداد أسرة مستشفياته، ومن كمية الأدوية وحبات الوجع والخبز والكهرباء. وطنكم ينخفض فيه مستوى العيش ويزداد فيه أعداد الجوعى والعاطلين عن العمل، وازداد فيه الخوار والتمزُّق والضعف والمزارع والكانتونات، ويزداد إعوجاجاً وتبعية وبغيضة، حتى أصبحنا شعباً مهمَّشاً ومهشَّماً تعبث فيه روائح المارَّة الكريهة، وأنفاس من يلتف حوله من باعة التين والدين وتجَّار العملات الرخيصة على مقربةٍ من جنة منتجع الأغنياء وسماسرة الدين ولصوص السياسة وباعة الأوطان والميتة والدم وخبز الطين ولحم الفقراء.