تكرّست منذ أولى حكومات عهد الرئيس ميشال عون معادلة غريبة قوامها: إمّا ان يكون الرئيس سعد الحريري والنائب جبران باسيل معاً في الحكومة أو معاً خارجها، وهذه المعادلة بالذات هي التي يسعى الحريري إلى تغييرها.

رفض الرئيس المكلف كل الوساطات والتدخلات للقاء رئيس «التيار الوطني الحر»، من الفرنسيين إلى بكركي وما بينهما الرئيس ميشال عون الذي تمنّى عليه الأمر نفسه، كما كان يتمنّى على غيره. وأفضل توصيف لهذا التمنّي كان قد عبّر عنه رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع بشكل كاريكاتوري يشكّل تجسيداً لواقع الحال، بقوله انه في كل مرة التقى فيها عون كان يدعوه إلى أن «قوم بوس تيريز».

 

والمعادلة الجديدة التي يحاول الحريري إرساءها تربطه بعون لا بباسيل، فإمّا أن يكون عون في الرئاسة الأولى والحريري في الرئاسة الثالثة، وإمّا أن يكون وإيّاه خارج السلطة، لأنّ نظيره في الحيثية والموقع هو عون لا باسيل، وما تكرّس خطأ في المرحلة السابقة يعمل على تصحيحه.


 
 

ويبدو انّ الحريري ما زال لغاية اللحظة متمسّكاً بموقفه الرافض لقاء باسيل، ومتمسكاً أيضاً بتكليفه قاطعاً الطريق على محاولات الإحراج للإخراج التي بدأت قبل تكليفه وما زالت مستمرة إلى اليوم، وآخرها الفيديو المسرّب بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المستقيلة حسان دياب، والذي قال فيه عن الحريري ما لم يقله مالك في الخمر.

 

لكنّ الحريري، الذي ترأس الحكومة الأولى والثانية في عهد عون، يدرك من موقع المعرفة أولاً، والحليف لباسيل إبّان تلك المرحلة ثانياً، انّ الأخير يتابع أدق التفاصيل المتعلقة برئاسة الجمهورية والعلاقة معها، وبالتالي من الصعوبة بمكان ان يقيم علاقة جيدة مع العهد في ظل علاقة متوترة ومقطوعة مع باسيل.

 

وفي موازاة الخلاف حول الحقائب والتسميات والأحجام، فإنّ العقدة الأساسية ما زالت تتمحور حول العلاقة بين الحريري وباسيل، بحيث ان الطريق إلى السرايا الحكومية تمرّ بميرنا الشالوحي، ولا يبدو انّ عون، واستطراداً باسيل، في وارد التهاون والتساهل مع هذه المسألة. وإذا كان «حزب الله» يتمسّك بتكليف الحريري كرجل المرحلة وتجنّباً للحساسية السنية-الشيعية، فإنه في المقابل يرفض محاولات تهميش باسيل ومحاصرته. وبالتالي، هل سيتراجع الرئيس المكلف، أم انّ رئيس «التيار الوطني الحر» سيقبل على مَضض بالمعادلة الجديدة؟ وهل من حكومة في ظل هذا الواقع الخلافي بين الطرفين ورفض الرئيس عون الصريح التعاون مع الحريري؟ وهل يستطيع الحريري أساساً أن يحقق الإصلاح المنشود في ظل علاقة متوترة ومأزومة مع عون؟

 

وفي معزل عن كل ذلك، فإنه من الواضح انّ الحريري وضع عون أمام أمر واقع جديد: إمّا استمرار حكومة تصريف الأعمال حتى نهاية العهد، وإمّا التعاون معه لتشكيل الحكومة، وكل محاولات الإحراج للإخراج لن تجدي معه نفعاً، وهو يستند إلى تكليف دستوري، ويرتكز إلى حَيثية تمثيلية، واضعاً الكرة في ملعب العهد بين ان يختار استمرار تصريف الأعمال، ما يعني استمرار انزلاق الوضع المالي والاقتصادي والمعيشي إلى الأسوأ، لأنه في ظل تصريف الأعمال يستحيل وضع الخطط الإصلاحية المطلوبة لاستجلاب المساعدات الدولية، وبين أن يتعاون معه لتأليف حكومة تكون قادرة على مواجهة تحديات المرحلة.

 

وتمسّك الحريري بتكليفه يفسِّر بوضوح الهدف الذي يعمل عليه مُراهناً على انّ العهد، الذي يواجه أزمة مالية غير مسبوقة وعاصفة شعبية ولَو مَضبوطة وحصاراً خارجياً واسعاً، سيضطر في نهاية المطاف إلى وضع الماء في نبيذه والتعاون معه، ولو مُجبراً ومضطراً، لتأليف حكومة، لا سيما انّ العهد اليوم هو في الواجهة ويتعرّض للضغوط على أنواعها.


 
 

ويصطدم العهد، ليس فقط بعدم قدرته على دفع الحريري إلى الاعتذار، إنما يصطدم أيضاً بعدم استعداد «حزب الله» لقيادة المواجهة معه ضد الحريري، ما يعني انّ مواجهته من دون أفق، لأنّ ايّ مواجهة يقودها منفرداً من دون الحزب لا تحقق النتيجة التي يريدها العهد.

 

ولا يكتفي الحريري بالتمسّك بتكليفه ووَضع العهد أمام أمر واقع، إنما يعمل بالتوازي على تطويق العهد وممارسة الضغوط عليه من باب استقالته أو إسقاطه. وفي هذا السياق يندرج الكلام عن جبهة تجمع رؤساء الحكومات ورئيس «الحزب التقدمي الإشتراكي» وليد جنبلاط، الأمر الذي يضع العهد أمام معركتين: معركة الحكومة العتيدة وشروط الحريري في التأليف، ومعركة مواجهة إسقاطه.

 

ولا شك انّ الحريري، ومَن معه، يدرك أنه إذا كان دَفعه إلى الاعتذار مُتعذّراً، فإنّ الدفع باتجاه إسقاط عون متعذّر بدوره، ليس فقط لاعتبارات دستورية وعملية، إنما أيضاً كون «حزب الله»، الذي يؤيّد رئاسته للحكومة، يؤيّد في المقابل استمرار عون في موقعه الرئاسي. وبالتالي، لا أفق لأيّ تحرك يرمي إلى إسقاط عون سوى من باب زيادة الضغوط السياسية عليه، لا سيما انّ الرئيس نبيه بري لن يغرِّد بعيداً في مسألة يعتبرها الحزب استراتيجية، ولا يبدو أيضاً انّ جنبلاط في وارد قطع الجسور مع الثنائي الشيعي، ما يعني أن لا أفق لهذا التحرك او هذه الجبهة خارج إطار الضغط السياسي لتسريع تأليف الحكومة، فتكون جبهة مُساندة للحريري في التأليف لا أكثر ولا أقل.

 

وإذا كانت الوظيفة الراهنة لهذه الجبهة ان تكون قوة دعم وإسناداً للحريري في تشكيل الحكومة، ومحاولة لتطويق العهد الذي يفتقد إلى التحالفات باستثناء «حزب الله» الذي يقف على مسافة واحدة من الطرفين، فلا يسمح بإسقاط العهد ولا يَتمَوضع كرأس حربة ضد الجبهة الجديدة خدمة للعهد، فإنّ الهدف البعيد المدى لهذه الجبهة هو التَهيئة لمرحلة ما بعد العماد عون في رئاسة الجمهورية، في تكرارٍ للخطأ الذي ارتُكب في مرحلة الفراغ الرئاسي التي أوصلت عون إلى القصر الجمهوري.

 

ومن أهداف هذه الجبهة وضع «حزب الله» بعد انتهاء ولاية عون أمام أمر واقع تَبَنّيه للمرشح الذي تقترحه للرئاسة الأولى، والذي يزاوج بين تحالفه الاستراتيجي مع الحزب وانتمائه للمنظومة السياسية، لأنّ انتخاب عون، الحليف للحزب والمُعادي للمنظومة، ارتَدّ سلباً على الوضعية برمّتها، الأمر الذي يقتضي اختيار الشخصية التي تزاوج بين المنظومة والسلاح.


 
 

وتخطئ هذه الجبهة او المجموعة في حال اعتقدت انّ «حزب الله» سيتخلى عن باسيل، أو يدعم لموقع رئاسة الجمهورية شخصية تستفزّ «التيار الحر» ولو كان حليفاً للحزب الذي يُبَدّي مصلحته الاستراتيجية على أي اعتبار آخر، وبمفهومه الاستراتيجي فإنّ باسيل يشكّل، وحتى إشعار آخر، حليفه الأول بعد حركة «أمل» التي يضع التحالف معها في سياق «تحصيل حاصل»، ولا يثق بجنبلاط ولا رؤساء الحكومات، ويميِّز بين عدم المواجهة والقطع معهم، وبين ترييحهم سُلطوياً بجبهةٍ مرفوضة من قاعدته ويمكن ان تلتَفّ عليه في مرحلة معينة، فيما يبقى باسيل حليفه الأول، هو الذي يوفِّر الغطاء الوطني لسلاح الحزب ودوره، لا سيما انّ باسيل، بعد العقوبات والحصار المفروض عليه من كل حدب وصوب، أصبح في حضن الحزب بشكل كامل.

 

وما دام التفكير السياسي والأهداف السياسية يتمحوران حول تسجيل النقاط التكتية وتحسين المواقع السلطوية، فإنّ الأزمة ستُراوِح هكذا لفترة طويلة، والمستفيد الأكبر هو «حزب الله» الذي يُمسك العصا من وسطها، خصوصاً انّ الأهداف الموضوعة هي تحت سقف سلاحه، فيما الكلام الجدّي يبدأ من نقطة تغيير الأكثرية الحاكمة بالجملة لا التعامل معها بالمفرّق، لينتقل بعدها إلى خطوات عملية أخرى تقود إلى مشروع الدولة لا مشاريع الدويلات.