كثيرون اعتبروا أنّ ما نُسب الى حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في شأن انتهاء زمن تثبيت سعر صرف الليرة، أمرٌ صادم. لكن الصدمة الحقيقية تكمن في ردود الفعل على ما قيل، وليس في مضمون الكلام نفسه.

ليس مُستبعداً ان يكون حاكم البنك المركزي قد اضطر الى تصحيح كلامه الى «فرانس 24»، بعدما فوجئ بردود الفعل الصاخبة على قوله انّ سعر الليرة سيكون في المرحلة المقبلة مُعوّماً، بحيث أنّ السوق سيقرّر هذا السعر.

 

بصرف النظر عمّا اذا كان الكلام قد فُهم على غير مقصده من خلال عدم وضعه في الاطار التسلسلي الدقيق، تبدو المشكلة في مكان آخر، وتكمن تحديداً في عدم الوعي الى المرحلة التي بلغها الوضع المالي والاقتصادي حتى الآن.


 
 

ويمكن تقسيم ما جرى الى قسمين: الاول يتعلّق بردود الفعل الشعبية على مسألة وقف تثبيت سعر الصرف، والثانية ترتبط بموقف سلامة حيال موضوع الليرة.

 

في الشق المتعلّق بتفاعل الناس مع مسألة سعر الصرف، يمكن الاستنتاج، انّ المواقف التي برزت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تكشف الحقائق التالية:

اولاً- وجود حالة إنكار لدى قسم من اللبنانيين تشبه الى حدٍ ما حالة الإنكار القائمة لدى اركان المنظومة السياسية حيال الدَرك الذي بلغته الأزمة. وهم يؤمنون حتى اليوم بإمكانية اعادة الليرة الى سعر صرفها الرسمي والاسمي القائم حالياً، أي 1515 ليرة للدولار. وهؤلاء ينتمون الى الشريحة المؤمنة بنظرية المؤامرة، ويعتقد اتباعها انّ كل ما يحصل مُصطنع، وستعود الامور الى طبيعتها فور انتفاء اسباب الحصار المفروض على البلد.

 

ثانياً- يعتقد البعض الآخر انّ نمط تثبيت سعر صرف العملة الوطنية على سعر لا يتماهى وسعرها الحقيقي الذي يحدّده السوق، لا يزال مُتاحاً، ولا يريدون أن يصدّقوا انّ العودة الى سياسة دعم الليرة أصبحت من الماضي ولن تحصل، على الأقل في المستقبل القريب، وبالتزامن مع بدء تنفيذ أي خطة للإنقاذ.

 

ثالثاً- تبيّن من بعض ردود الفعل، انّ قسماً من الناس يتسلّى بالمأساة، ويريد ان يلعب لعبة تسجيل النقاط، من خلال التصويب على حاكم المركزي في موضوع سعر الصرف، على اعتبار انّ سلامة هو «أب الليرة»- وهذا اللقب هو من باب التهكّم- وكان يرفض تحريك سعر صرفها، وبقي يعد بالحفاظ على قيمتها، حتى انهار الوضع المالي برمته.

 

في الشق المتعلق بتفسير مضمون كلام سلامة، يمكن استنتاج ما يلي:

اولاً- رغبة الرجل بإرسال اشارة اولى الى تخلّيه عن مبدأ تثبيت سعر الصرف. وقد يكون ذلك بمثابة اعتراف ضمني بأنّ سياسة دعم الليرة شكّلت أحد العوامل التي ساهمت مع عوامل أخرى كثيرة في انهيار الوضع المالي. وهذا الامر لا يعني انّ السياسة النقدية كانت خاطئة بشكل عام، لكنه يعني انّ سياسة التثبيت التي شكّلت مرتكزاً للاستقرار وساهمت لحقبة طويلة في تأمين مستوى معيشي لائق للبنانيين، وفي تشجيع الاسثمار من خلال الاستقرار النقدي، استنفدت فرصها منذ العام 2017، وكان يُستحسن في حينه التفكير في تعويم الليرة، لوقف دعمها واستنزاف العملة الصعبة بلا جدوى.


 
 

ثانياً- أراد سلامة من خلال موقفه ان يردّ، ولو بطريقة غير مباشرة، على الاقتراحات والاصوات التي ارتفعت في الفترة الأخيرة بشكل لافت، للمطالبة باعتماد سياسة نقدية قائمة على مبدأ إنشاء مجلسٍ للنقد بهدف تثبيت سعر صرف الليرة من خلال ربطها بعملة أجنبية أخرى. وهو بذلك، أراد أن يسلّط الضوء على تعذّر تثبيت سعر الصرف من خلال الربط الكلي بالدولار أو سواه. وقد تكون هناك أسباب عدة لهذا الرفض، من ضمنها الصعوبات التي تعترض هذا الربط لجهة تأمين كتلة ثابتة من العملات الصعبة، بالإضافة الى الضرر الذي قد يلحقه الربط بالاقتصاد وبالقطاع المصرفي، عندما تبدأ مرحلة التعافي والخروج من الأزمة. بالإضافة أيضاً، الى انّ اعتماد سعرٍ ثابت منخفض يستند الى حجم الكتلة النقدية القائمة حالياً في السوق (M1+M2) سيؤدّي الى شطب عامودي للودائع في البنوك، والتي يتمّ السحب منها حالياً بواسطة الليرة، وعلى سعر صرف 3900 للدولار.

 

في المقابل، واذا أسقطنا من الحسبان التحفظات المتعلقة بصراع الافكار الاقتصادية حول الحلول الأفضل التي ينبغي اعتمادها للخروج من الأزمة، نستطيع ان نلاحظ انّ حاكم مصرف لبنان لا يمكن ان يكون متحمساً لفكرة مجلس النقد، على اعتبار انّ المجلس يسلب البنك المركزي القسم الأهم من وظيفته المتعلقة بالسياسة النقدية. ومن البديهي، أنّ أي حاكم لمصرفٍ مركزي في العالم، لا يميل الى دعم أي فكرة يمكن ان تقلّص من مهام المركزي، خصوصاً انّ مجالس النقد غير موجودة سوى في الدول المأزومة وشبه المتخلفة، في حين انّ الدول الصناعية والدول المتطورة تعتمد على مصارف مركزية في ادارة السياسة النقدية.

 

في النتيجة، ما قاله سلامة، وبصرف النظر عمّا اذا كان صادراً عن حُسن أو سوء نية، يمثّل حقيقة لا يمكن الهروب منها، مفادها انّ سعر صرف الليرة في المستقبل، وعندما يبدأ تنفيذ خطة للتعافي، سيحدّده السوق، ولا شيء غير ذلك.