بعد هذا الطوفان الجارف الذي اجتاح لبنان، فكاد يشْـطبهُ من الجغرافيا والتاريخ وعالم الإنسان، لا بُـدَّ لـمَنْ لا يزال يتمتّـع بكامل قـواهُ العقلية والجسدية من أنْ يطرح السؤال..

 

لـوْ أنَّ رئيس الجمهورية في لبنان كان غيـرَ العماد ميشال عون هل كان حـلَّ بلبنان ما حـلَّ...؟

   

هل كانت الدولة زلزلَتْ زلزالَها وتقطَّعتْ أَوصالها وتشرَّدتْ عيالها وهاجرت أجيالها وتحطّمت آمالها وتبخّرت أموالها...؟

 

هل كانت انهارت المؤسسات والجامعات والمستشفيات والفنادق والمطاعم والمصانع والمحاكم...؟

 

هل كانت المصارف أفلستْ والصحف تعطَّلتْ والأنوار انطفأتْ والمتاجرُ أقفلَتْ ، وهل كان جـوعٌ ودموعٌ وشموع... ودمار وانفجارٌ ومرفأ وعـار...؟

 

هل أنَّ لبنان الذي كان إبـنَ التاريخ على مـدى ستة آلافٍ من السنين، قد تقلَّصت عنه معالم الحضارة وجلائل التاريخ وأمجاد الزمان الغابر...؟

 

هل كان الإنسان اللبناني البارع في التفوّق قد تعرّض لخطر تذويبهِ في الآلـة الحكومية والآلـة الحزبية والآلـة المذهبية ومحاولةِ إذابةِ شخصه ككائنٍ إنساني خـلاَّق...؟

 

وهل ستمرُّ هذه الكارثة على شاشة التاريخ كأنها فيلمٌ سينمائي تُعرَضُ فيه المشاهد وينتهي...؟

 

إنّـه السؤال المطروح بإلحاحٍ على علماء التاريخ وعلماء الإجتماع وعلماء النفس والمحلِّلين الإنسانيّين والسياسيّين، وهو حـدثٌ يُطرحُ على العالم كعِبْـرةٍ تاريخية في مجال تطوّر الأمم أوْ اضمحلال الأمـم.

 

لا بـدَّ إذاً، من استعراض المحطّات التاريخية عبْـرَ عهود الإستقلال حتى اليوم، بما شهدتْ من حروبٍ ومنازعات واحتلال وانتداباتٍ وميليشيات، ومقارنتها بما حدَث في هذا العهد.

 

في المنطق العقلي، لا يصحّ أن تكون الأحكام خاضعةً للميول العاطفية والأهواء الحزبية... الأمرُ مرهون بالتحليل العلمي والإستدلال بالحجج البرهانية ودلالات اليقين.

 

والعقل التحليلي يفترض ربـطَ قضية بقضيةٍ أخرى كمثل ما يشترط أرسطو بإخضاعِ التحليلات للمعرفة العلمية ومحسوسات البرهان.

   

والتحليل العقلي لا يُغني عن التحليل النفسي الذي أطلقه «فرويد» في تفسير العقدة النفسية ووقوع العقل في التناقض، ولا يُغني عما يُعرف بازدواجية الشخصية الناتجة عن انشطار الذات فيصبح صاحب الشخصيتين شديد الخطر على نفسه كما على غيره.

 

هذا ما عبّر عنه «هاورلد لاسكي» Lasqui في كتابه «روح العصر» «بأن الخوف الجنوني عند الحكام يؤدّي إلى الإضطهاد وزيادة معدَّل الوحشية فتصبح المبادىء عندهم عديمة الجدوى».

 

نتيجة هبوط مستوى حكمة العقل عند أهل الحكم في العالم راح بعض علماء الإجتماع يطالبون بأنْ يخضع الحكام لفحوص جسدية وعقلية قبل ممارسة مسؤولياتهم التي يتوقّف عليها مصير الأوطان وحياة الشعوب.

 

أَلاَ يمتْلِكُنا الرعب ونحن نُلقي نظرةً دامية على ما يشهده بعض عالمنا اليوم من مجازر إنسانية متوحِّشة، وهل علينا أن نبرّيء ذمّـة الحكام من المسؤولية الناتجة عن اضطراب الوعي العقلي... حتى أنّ بعض العلماء الفرنسيين كانوا قد اعتبروا أنَّ هذا الزمان هو زمن نهاية الحضارة.

 

إنّ هذا الواقع الكارثي الذي حـلّ بلبنان يتخطّى عيوب السياسة التقليدية إلى الخطوب المتراوحة بين الوجود والعدم.

 

وإنَّ الغاية من التحليلات العلمية لا تستهدف شخص الحاكم، بل الوصول إلى حقيقة يمكن البناء عليها، لانتشال لبنان من أعماق الإنهيار، وتحديد مفهوم القوة والضعف في شخصية الرئيس الخلَف.