ليس من المستبعد أن يتحوّل تمثال الراحل قاسم سليماني إلى مزارٍ لشيعة لبنان والجوار والأباعد(الإيرانيّون) للتّبرُّك وربما تقديم النذور والهدايا، جرياً على ما يحصل في مقاماتٍ أخرى، وقد يطول الزمن أو يقصر قبل أن تتوجّه سريّةٌ ما على السُّنّة النبوية وهدي الائمة الجعفرية لإزالة ما استُحدث من بِدعٍ وثنية، وإعادة أمور الدين والدنيا إلى نصابها.
 

يتحدث إبن الكلبي في كتاب "الأصنام" فيذكر أنواعها وهي: (١) النُّصُب، وهي عبارة عن صخرة ليست على صورة إنسان، ويغلب أن لا يكون لها صورة خاصة، (٢) الوثن، ما كان على صورة إنسان من حجر، (٣) الصّنم، ما كان على صورة إنسان من معدن أو خشب؛ وهكذا يكون ما رُفع في ضاحية بيروت بالأمس كتمثالٍ نصفيٍّ لقائد الحرس الثوري الإيراني الراحل قاسم سليماني، الذي اغتالته الولايات المتحدة الأمريكية قبل عامٍ في بغداد، مُصنّفاً كصنم إن كان من معدنٍ أو خشب، أو وثن إن كان على صورة إنسان من حجر،  وبادئ ذي بدء، لا بُدّ من القول بأنّه ليس ما يمنع أبداً أن تفخر الأمم والشعوب بقادتها الأفذاذ، وعُظمائها وعُلمائها وقدّيسيها، فتُقيم لهم النُّصُب، وترفع لهم التماثيل والأصنام، لا بل هذا محمودٌ ومندوبٌ إليه، وما زالت فنون النّحت والرسم من أرقى الفنون وأمجدها وأنبلها، لكن ما يلفُتُ النّظر ويدعو للعجب أن تعود  جماعةٌ "جهادية" دينية، غدت مع الأيام حزباً ذي شأن (حزب الله)، يُحسب له كلّ حساب، إلى ما يُشبه عبادة الأصنام من أكثر من وجه، وأكثر من مظهر، وأكثر من تصرُّفٍ وسلوك، ذلك أنّ أمين عام هذا الحزب لا ينفكّ يُذكّرنا بعقيدته الإسلامية القويمة، والإقتداء بسيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهدي أئمة الشيعة المُطهّرين، والنبي كان قد قضى بأخذ ما أوصى به، وترك ما نهى عنه، كيف ولا غرو أنّه كان قد افتتح رسالته النبوية بالدعوة إلى عبادة الله الواحد، وهجر الأصنام والأوثان التي كانت تعبدها وتُقدّسها قبيلته قريش وسائر قبائل العرب، وتحُجُّ إليها وتُقدّم لها القرابين والنذور، ويوضح إبن الكلبي أنّ الذي دفع بالعرب إلى عبادة الأوثان والحجارة، أنّه كان لا يظعن من مكّة ظاعنٌ إلاّ حمل معه حجراً من حجارة الحرَم، تعظيماً للحرَم وصبابةً بمكّة، فحيثما حلّوا وضعوه وطافوا حوله كطوافهم بالكعبة، وهم بعدُ، يُعظّمون الكعبة ومكة، ويحجّون ويعتمرون، ثم سلخ ذلك أنّهم عبدوا ما استحبّوا من الحجارة، ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره، فعبدوا الأوثان وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم من قبلهم، أمّا أشهر أصنام العرب فكانت: اللّات، وذكر إبن الكلبي أنّه كان صخرةً مربعة بيضاء بنَتْ "ثقيف" عليها بيتاً، صاروا يسيرون إليه، يُضاهون به الكعبة، له حُجُبه، وكانت قريش وجميع العرب يُعظّمونه أيضاً. العُزّى: وهي صنم أنثى،  وهناك من يقول أنّ العزّى هي شُجيرات، ومن يقول بأنّها حجر، ويقول إبن الكلبي أنّ قريش وسائر قبائل العرب كانوا يُعظّمون العُزّى ثم مناة، وكانت تُقدّم لها النذور والهدايا. ومن الأصنام  المشهورة مناة وهُبل وسُواع ويغوث ويعوق وغيرها كثير.

 

إقرأ أيضا: هُمُ المُفسدون ولكن لا يشعرون

 

والمُطّلع على تاريخ الإسلام المُبكّر يلاحظ سرعة اجتثاث الأوثان من البيت الحرام بعد فتح مكة، إلاّ أنّ هدم البيوت التي أُقيمت للأوثان، وهي معالم حقبة "الجاهلية" الراسخة، قد تطلّب ردحاً من الزمن، إذ كان لا بدّ من توجيه السّرايا المُقاتلة لتطهير الجزيرة العربية منها، فكانت سريّة خالد بن الوليد إلى العُزّى، لإزالتها من الوجود نهائياً، وكانت السّرية مؤلفة من ثلاثين فارساً، وسرية سعد بن زيد إلى مناة، وكانت على ساحل البحر الأحمر في منطقة تعرف بالمشلّل،  وكانت للأوس والخزرج وغسان ومن دان بدينهم، يعبدونها ويُعظمونها في الجاهلية، وسرية عمرو بن العاص إلى سُواع، وسرية الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى الفُلس، وهو صنم لطيئ، وكان تعدادها خمسين ومائة رجل من الأنصار، على مائة بعير وخمسين فرساً، فشنّوا الغارة على محلة آل حاتم مع الفجر فهدموا "الفُلس" وخرّبوه، وملأوا أيديهم من السّبي والنّعم والشّاء، وفي السبي أخت عدي بن حاتم.

 

ليس من المستبعد أن يتحوّل تمثال الراحل قاسم سليماني إلى مزارٍ لشيعة لبنان والجوار والأباعد(الإيرانيّون) للتّبرُّك وربما تقديم النذور والهدايا، جرياً على ما يحصل في مقاماتٍ أخرى، وقد يطول الزمن أو يقصر قبل أن تتوجّه سريّةٌ ما على السُّنّة النبوية وهدي الائمة الجعفرية  لإزالة ما استُحدث من بِدعٍ وثنية، وإعادة أمور الدين والدنيا إلى نصابها.