«لا شيء حكومياً بعد»، هذا لسان حال جميع المعنيين بملف التأليف، بمعزل عن كلّ الوساطات والمبادرات والحلول التي تُطرح من جهات عدة في الداخل والخارج. فالتأليف عالق حيث توقّف اللقاء الأخير بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والرئيس المكلف تأليف الحكومة سعد الحريري، بعد عروض وعروض مقابلة من المولجَين دستورياً تأليف الحكومة، إذ لم يحصل اتفاق على هذه العروض المتبادلة حيال التشكيلة الوزارية. وتؤكد مصادر مطلعة أن «لا عامل حكومياً جديداً»، فيما يلفّ الجمود مسار التأليف بسبب عدم تَوَصّل عون والحريري الى اتفاق في اجتماعهما الأخير، وبعدما غادر الحريري الى خارج لبنان.

 

 

قد تكون الوساطات نجحت في الحَضّ على عقد الاجتماع الأخير الذي حصل بين عون والحريري، إلّا أنّه كان سيُعقد آجلاً أم عاجلاً، فيما لم ينجح أي حراك على خط الحلحلة في فكفكة أي من العقد الحكومية العالقة بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف.

 

 

 

أسباب عدة وغايات كثيرة ومحطات ومواعيد إقليمية ودولية متنوعة، يُقال إنّها تؤثر على التأليف وتؤخّر ولادة الحكومة، إلّا أنّها تبقى مجرد «تحليلات» بحسب مصادر مطلعة على مشاورات التأليف. عملياً، وفق مسار المشاورات بين عون والحريري، توضح مصادر مطلعة على موقف عون، لجهة تراجع رئيس الجمهورية عن مطلب الثلث المعطّل لفريقه و»التيار الوطني الحر»، أنّ «الرئيس لم يطالب بالثلث المعطّل منذ الأساس، بل طلبَ أن يكون هناك توازن في طريقة توزيع الحقائب على المكونات الطائفية للبلد»، مشيرةً الى أنّ «هذا التوازن لم يتحقّق في الصيغة التي عرضها الحريري. كذلك، لم يعتمد الرئيس المكلف في صيغته وحدة المعايير بحيث هناك خلل أساس في هذا الإطار».

   

في الاجتماع الأخير في عام 2020 بين عون والحريري، بحثَ الرجلان في موضوع التوازن في توزيع الحقائب، لا سيما منها وزارة العدل ووزارة الداخلية. وما زال البحث عالقاً عند نقطة هاتين الحقيبتين السياديتين، لأنّ عون يعتبر أنّ هناك تكاملاً وتَلازماً بين هاتين الوزارتين، وبين القضاء والأمن، ولا يجوز أن تكونا بيَد فريق واحد، إذ يمكنه الإمساك بالملفّين القضائي والأمني، بل يُفترض أن توزّع هاتين الحقيبتين على فريقين. في المقابل، يتمسّك الحريري بهاتين الحقيبتين، بحيث أعطى وزارة العدل للطائفة السنية ويريد تسمية وزير الداخلية.

 

وكان عون والحريري قد تفاهما في جلسة سابقة لاجتماعهما الأخير على تسمية وزير الداخلية بالتوافق بينهما، إلّا أنّ الحريري عاد وتمسّك بتسمية وزير الداخلية، بحسب المصادر المطلعة. وعند هذه النقطة توقف الاجتماع الأخير بينهما، بعد أن عرضَ عون اسم مرشح لوزارة الداخلية وعرضَ الحريري اسماً آخر، ولم يتوافقا، فلا عون وافق على مرشح الحريري ولا الحريري وافق على مرشح عون.

 

وكان هناك تَوجّه الى مزيد من الدرس بعد انتهاء الأعياد. لكن بعد مغادرة الحريري القصر الجمهوري في 23 كانون الأول 2020، تحدثت مصادر «بيت الوسط» لأكثر من وسيلة إعلامية عن «وَطاويط القصر التي تعكّر الأجواء»، مُلقية مسؤولية عرقلة التأليف على عون، فيما تنفي مصادر القصر الجمهوري ذلك، مشيرةً الى أنّ سبب التأخر في التأليف، هو، الى رفض عون تخصيص وزارتي العدل والداخلية الى فريقٍ واحد، موضوع توزيع الحقائب، إذ انّ هناك خللاً في حصة المسيحيين، بحيث خصّص الحريري غالبية الحقائب المهمة التي تُعتبر أساسية للطوائف الاسلامية. وحدّد في التشكيلة الوزارية التي طرحها، وزارات غير أساسية للمسيحيين، ومنها الدفاع والتربية والثقافة والبيئة...

 

أمّا بالنسبة الى وزارة الطاقة، فطرحَ الحريري إسم جو الصدي، لكنّ البحث بين عون والرئيس المكلف لم يصل الى هذه النقطة، بحسب المصادر نفسها، لكي يحسم عون موافقته على هذا الاسم أو عدمها.

 

الى ذلك، برزت مشكلة أخرى على السكة الحكومية في الساعات الأخيرة من المفاوضات الحكومية التي لم تمتدّ الى السنة الجديدة بعد، وهي مطالبة طائفة الروم الكاثوليك بالحصول على حقيبة سيادية على غرار طائفة الموحدين الدروز، وذلك بعد أن أعطى الحريري وزارة الخارجية السيادية للدروز ورشّح لتَولّيها السفير ربيع النرش، ما أثار اعتراض الكاثوليك، فوفق التوازن الطائفي والتوزيع الحكومي، يُعتبر عدد الروم الكاثوليك موازياً لعدد الدروز، إذ إنّ عدد نواب الطائفتين متساوٍ.

   

وبعد هذا الاجتماع، برز موقف رئيس الحزب «الديمقراطي اللبناني» النائب طلال أرسلان من القصر الجمهوري، حيث أبلغ الى عون رفضه صيغة الـ18 وزيراً التي تظلم الدروز، مطالباً بحكومة من 20 وزير، علماً أنّ عون كان يحبّذ هذه الصيغة، إلّا أنّه سلّم بحكومة من 18 وزيراً في إطار التسهيل، بحسب مصادر القصر.

 

الى ذلك، هناك ملاحظات أخرى لعون على صيغة الحريري الحكومية، ومن أبرزها أنّ الحريري سمّى وزيراً درزياً ليتولّى حقيبتي الخارجية والزراعة، ما ينافي مبدأ الاختصاص، إذ إنّ الوزير الذي سمّاه الحريري سفير وغير مختصّ بالزراعة، فيما أنّه يُفترض أن تكون هذه الحكومة مكوّنة من اختصاصيين. كذلك، هناك وزارات أخرى مَدموجة، الوزير المُسمّى لتَولّيها غير ملمّ فيها، وبالتالي لا مراعاة لموضوع الاختصاص بالنسبة الى رئيس الجمهورية.

 

وفيما كان عون هو من اتصل بالحريري لتحديد لقاء بينهما، وكان اجتماعهما الأخير، ينتظر رئيس الجمهورية عودة الحريري من السفر لكي تعود معه الحرارة الى الخط الحكومي، بمعزل عَمّن سيتصل بالآخر ويطلب عقد استئناف اجتماعات التأليف. وحتى الآن، لا تغيير في موقف عون تجاه ملاحظاته الحكومية، وتؤكد المصادر المطلعة على موقفه أنّ «دور الرئيس مساعد ومسهّل للتأليف، لكن لا يُمكن إلغاء دوره، والشراكة التي لا تتحقق من خلال تركيبة لا يوافق عليها رئيس الجمهورية».

 

وتؤكد أنّ عون ليس متمسكاً بوجهة نظر أو موقف بل بمبادئ، ولن يتراجع عن هذه المبادئ الحكومية التي طرحها، وهي: العدالة في توزيع الحقائب على الطوائف، مراعاة الاختصاص والمعايير الواحدة في توزيع الحقائب.