لم يتسنَّ ليَ الكثير من فُرص العيش، لأنني ولدتُ في قريةٍ جنوبية، كنتُ أنتشرُ دغشةً في دروبها تحت ضوء مئذنة المزارعين، وهم يُصلُّون صلاة الإستسقاء تحت سماء صيف، حبيس المطر، وأبحثُ عن نفسي لأشمَّ رائحة أمي، وذكرياتٍ مخبَّأة في ذاكرة صلاة الأمهات اللواتي يُعشِّبن حقل العمر في أشواك عدشيت...فيروين عظامنا بدمعٍ من شمع الأصابع..

 

هنا، اكتشفتُ نفسي، كلما رأيتُ أمَّاً من أمهاتنا، ومُتفقِّداً حقلاً من حقول يديها، فكنتُ أبعثُ من جديد، كلما غفوتُ قرب بساط أمي المطرَّز بخيطان الدخان، فأتدثَّر مشاتل الورد والتبغ، وحبقُ الحدق، وما زرعته يداها الطهورتان في قلوبنا الباردة..

 

كانت أمي تحيكُ بسنَّارتها أثواب العرائس على هديل المواويل الحزينة، وتفرغُ صُرَّة الكعك ليلة العيد، وهي متنقلة ما بين رخام الموت وأقفاص الشهداء، مرتلةً أجزاءاً من سُوَرِ أغنياء الأحزبة، فاغتنموا فُرص فقراء القرية الذين نشروا وجوههم على أرصفة الشارع، ليمسحوا زفت الطريق، ويُلمِّعوا المصابيح النائمة من وهج الزيت..

 

رحلت أمي باكراً، وربحت نفسها وغادرت مشاتل المرارة، وألسنة الميابر، وما زلنا نمسحُ فقرنا بورق التعب والتبغ والوجع.. ونقرأ سطور وجهها، ونتعلَّم من صمتها لغة الأرض، والتين والزينون، فنزِنَ الحياة والموت بميزان كفيَّها، لنعرف قلَّة الأحياء وكثرة الأموات.

 

إنها الأم.. في أرض الجنوب، جنوب موسى الصدر وحركته المحرومة، لا الحارمة، هذا يعني أننا أمام مرآة الحياة، نشاهد ونعاين الداخلين إليها، فنقرأ أسرارهم وما فيها من رسائل ووصايا.    تعلمنا من مدارس أمهات جبل عامل، التضحية والصبر والعطاء دون مقابل أو مِنَّة، تعلمنا منهن الحكمة الهاربة من قواميس ومواثيق نفوسنا، وتعلمنا المعاناة من أجل الآخرين، فيطفئن شموعهن، ليشعلن تلك الوجوه الشاحبة، ويجعلن من دمهن زيت قناديلنا الفاحمة..

هي الأم، أشبه المدارس بمدارس الأولياء الذين امتحن الله قلوبهم، فثبتوا وأثبتوا، أنهم قادة أوفياء، وولاة دين، وأتباع سُنَّة.. وأشبه المدارس بمدرسة موسى الصدر، التي وقفتنا في خنادق الفعل والعمل للإنسان المحروم في أرضه.. هنا، سأفتح من خصائص مدرسة الصدر نافذة على الحياة، التي لا يعرفها إلاَّ من أتى الله بقلبٍ سليم. وأحاول أن أهرب إلى رحمةٍ تنجيني من عذابٍ أليم، وعلى قارب نجاةٍ من خشب المحرومين. 

 

وعلى مهلٍ أبحر خلف عمتك المجبولة بحب الفقراء، وفوقنا سماءٌ من النوارس المهاجرة إلى شواطئ الإطمئنان.. لربما يصحو الأحياء الموتى إذا ما انتبهوا.. وربما يظن الأحياء أنهم يشيعون الفقراء والموتى، ولا يدرون أنَّ الفقراء والموتى الذين يظنونهم أنهم نائمين في الصناديق، ونائمين في صندوق الضيم، هم الذين يحملون نعوشهم... ومنهم من يعتبر المقابر حيث تتواجد اللحود والشواهد ورميم العظام، ولا يعلمون أنَّ المقابر هي مدن الفقر وأحياء الجهل وأوطان الغربة..