السنة الجديدة مقبلة على متغيرات ليس فقط في لبنان بل على مستوى المنطقة، إقليميا ودوليا بعد مرحلة من التشظّي العسكري والسياسي، ولا بد من إعادة ترسيم التوازنات في المنطقة.
 

كثيرة هي مخلّفات العام 2020 الاقتصادية على لبنان، والتي كانت للأسف بمعظمها كارثية، فكان عام الإنهيار والجوع والفقر واليأس والدمار والموت والعزلة. لقد كان من المتوقع أن يكون هذا العام سيئاً وصعباً ولكن ليس الى هذا الحد، فلبنان اليوم يعيش أسوأ أزماته منذ الحرب الأهلية، مع تواتر الأزمات السياسية والاقتصادية، خلال العام الأخير، كما أن تسارع الأحداث يشير إلى مرحلة تراجع جديدة في المؤشرات الاقتصادية. فخلال الأشهر الماضية، تتابعت اللكمات على اقتصاد لبنان بدءا من الاضطرابات السياسية، وفشل سداد الديون الأجنبية، وانهيار العملة وارتفاعات قياسية للتضخم، إلى فشل الاتفاق على قرض من صندوق النقد الدولي، اضافة الى تداعيات فيروس كورونا التي تزيد الأوضاع سوءا.

 

 

 يقع لبنان تحت عبء الدين العام الذي يعادل نحو 170 في المئة من قيمة الناتج الإجمالي المحلي. ويحتاج لبنان إلى الحصول على دعم خارجي بأكثر من 20 مليار دولار، بينها 11 مليار أقرّها مؤتمر سيدر الذي عُقد في باريس في 2018 ولكن في ضوء برنامج إصلاح اقتصادي لم يتم الاتفاق عليه حتى الآن.

 

محمّلة بأثقال وأهوال لا تُعدّ ولا تُحصى، تدخل الـسنة الجديدة على اللبنانيين من باب التأزم العريض، لتسلك مسالك وعرة مرعبة تبدو فيها الآفاق مسدودة، صحياً واقتصادياً ومالياً واجتماعياً. فعلى المستوى الصحي، تشتد وطأة انتشار الوباء في لبنان حيث بلغ عدد المصابين عتبة 3000 إصابة يومياً، وسط تأكيد أوساط طبية تسجيل حالات إيجابية مثبتة مخبرياً بنسبة 20% من أصل أعداد الحالات التي خضعت لفحوصات خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة، أما على مستوى أبعاد الأزمة الاقتصادية والمالية والاجتماعية، فلا يشي انعدام الحسّ بالمسؤولية لدى الطبقة الحاكمة سوى بمزيد من التعقيد والتأزم في أحوال البلد، سيّما وأنّ مصادر مواكبة لمستجدات الملف الحكومي كشفت أنّ قوى 8 آذار انقلبت على صيغة الـ 18 وزيراً، ما يعني عملياً أنّ التشكيلة التي قدمها الرئيس المكلف سعد الحريري طارت، والاتجاه مطلع العام الجديد هو نحو ممارسة رئيس الجمهورية ميشال عون الضغط لتوسعة مروحة الحقائب الوزارية، مدعوماً من حزب الله الذي يريدها تشكيلة عشرينية.

 

صحت التكهنات أم لم تصح، بأن حزب الله يبقي على الفراغ الحكومي غير آبه بالنتائج الكارثية على البلد لأن لبنان ورقة تفاوض إيرانية مع بايدن، فإن ما بات واضحاً أنه يتقن لعبة التمريرات لعون وباسيل لينوبا عنه.

 

 

إقرأ أيضا : الدستور واضح وكفى مناورات

 

 

ولفتت المصادر إلى أنّ كلام النائب طلال أرسلان أمس من قصر بعبدا عن ضرورة أن يعمد الرئيس المكلف إلى رفع عدد مقاعد تشكيلته الوزارية من 18 إلى 20 وزيراً، كان خير معبّر عن توجه حزب الله الحكومي بالتكافل والتضامن مع رئيس التيار الوطني جبران باسيل الذي تولى بالأصالة عن نفسه وبالوكالة عن الحزب إجهاض تشكيلة الحريري المصغرة، مشيرةً إلى أنّ أرسلان أكد المؤكد بكلامه هذا، لناحية الاتجاه نحو إعادة خلط الأوراق الحكومية بشكل يطيح بالطابع الاختصاصي للتشكيلة المرتقبة، لتكون أقرب إلى تشكيلة تكنو  سياسية موسّعة. ورأت المصادر أنّ إشارة السيد حسن نصرالله في مقابلته الأخيرة الى عقدة العدد في الحكومة، اندرجت ضمن هذا التوجه، وربما على هذا الأساس أتى استشعار رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط بالمتغيرات الحكومية فسارع إلى حجز مقاعده باكراً عبر انتقاد صفة الاختصاصيين في الحكومة العتيدة.

 

 

بالتوازي، لا يزال البطريرك الماروني بشارة الراعي على أمله بإحداث كوة في جدار التصلب الحكومي ورداً على سؤال، أكدت مصادر بكركي عدم وجود تواصل مباشر بين البطريرك الماروني وحزب الله، بل مجرد تواصل في الملف الحكومي عبر بعض الوسطاء، معربةً عن أملها بأن يساهم الضغط في حث المسؤولين على الإسراع في التأليف مطلع العام.

 

 

 في هذا السياق ،جَزمت مصادر مطلعة، انّ الجانب الأساس من تعطيل التأليف هو ربط الحكومة بالاستحقاق الاميركي وانتقال السلطة من الادارة الاميركية الحالية الى الادارة الجديدة في الـ20 من كانون الثاني، وهو في رأي المصادر انتظار فارغ لأنّ الاميركيين غير عابئين أصلاً بلبنان. وبالتالي، لا مكان له في أجندة الادارة الاميركية، أقلّه في المدى المنظور، والتي حدّد الرئيس الاميركي المنتخب أولويّات إدارته، بالعمل على إعادة لملمة آثار إدارة دونالد ترامب، والعمل الفوري على تحدّي وباء كورونا، وعلى ما سمّاها استعادة أميركا لدورها الريادي العالمي، وإعادة الوحدة الاميركية بعد الفرز الذي قال بايدن انّ سياسات ترامب قد أحدثتها، إضافة الى الملفين الصيني والروسي، ومعالجة الكارثة الانسانية على الحدود الجنوبية مع المكسيك، ومعالجة ملفات اللجوء وللاجئين الى أميركا. ولم يُشر الى لبنان لا من قريب أو من بعيد.

 

 

وتِبعاً لذلك، تؤكد المصادر انّ انتظار إدارة بايدن ما هو سوى تضييع للوقت، ناجِم عن قراءات قاصِرة للمشهد الاميركي وموقع لبنان فيه. وعلى اللبنانيين، أمام هذا الواقع، أن يدركوا أن لا أحد يُقيم وزناً للبنان أو يحسب له حساباً، وهذا يُحَتّم نزول المراهنين على متغيّرات، مع تَسلّم الادارة الاميركية الجديدة، الى أرض الواقع، وتَقليع شوك تعطيل الحكومة من أيديهم، لعلهم بذلك يتمكنون من إنقاذ ما يمكن إنقاذه في بلد صارَ في قعر الهاوية.

 

 

السنة الجديدة  مقبلة على متغيرات ليس فقط في لبنان بل على مستوى المنطقة، إقليميا ودوليا بعد مرحلة من التشظّي العسكري والسياسي، ولا بد من إعادة ترسيم التوازنات في المنطقة.