هذا المسيح الذي مسح كل أنواع الغش والكذب والنهب، وأعلنها بكل جرأة لا يخاف في دعوته خائفة، فقال: (إني أريدُ رحمةً لا ذبيحةً، ومعرفة الله أكثر من مُحرَقَاتٍ.. فلو علمتم ما هو: إني أريد رحمةً لا ذبيحة، لما حكمتم على الأبرياء ـ مت 12: 7ـ إنهم يحزمون أحمالاً ثقيلة شاقَّة الحمل، ويضعونها على أكتاف الناس، وهم لا يريدون أن يحرِّكوها بإصبعهم.
 


لأي صفةٍ يتسع هذا المقال، للحديث عن سيرة أصحاب الرسالات، الذين حملوا أمانة الله في أرضٍ تعجُّ بالآكل والمأكول، والسيد والمسود، والسارق والمسروق، والظالم والمظلوم، والجائع والمتخم.

 

 

 لم يعرف التاريخ مصلحاً ولا أحزاب ولا جمعيات دينية أو غيرها كافحت المظالم والظالمين والسارقين والناهبين وكل أنواع المظالم، وحاربت المستبدين وناصرت كل محروم ومظلوم وفقير، كما كافح أصحاب الرسالات وأصحاب النفوس النقية، واضعين حياتهم وحياة المخلصين لهم في كفَّة الموت، أو تحقيق ما بشَّروا به، ثمَّ يعاودون ويدعون الناس إلى الأخذ من المناصب والمراكز والأموال بما كان من التفاوت والتمايز بين طبقات الناس، ومن ثم يزينون للمتخمين والمكروشين والكارشين تخمتهم وتكبير بطونهم وكروشهم وجيوبهم، ويزينون للفقراء الفقر، وللمحرومين الحرمان، وللبائسين البؤس، والله يُعوِّض لكم يوم الحشر.

 

إقرا أيضا: تاج الإمامة وصليب المسيح

 

 

 لقد ثاروا بثورتهم الكاسحة على المغتصبين والمرائين من القضاة والمفتين والكهنة والحكَّام والتجَّار من السفلة الذين يجعلون من الدين دكاناً لهم وحانوتاً لشهواتهم ورغباتهم، ويتبذّخون على جهد الناس الفقراء والمحرومين ويعيشون على تعبه وعرقه ودمه.

 

 

 هذا المسيح الذي مسح كل أنواع الغش والكذب والنهب، وأعلنها بكل جرأة لا يخاف في دعوته خائفة، فقال: (إني أريدُ رحمةً لا ذبيحةً، ومعرفة الله أكثر من مُحرَقَاتٍ.. فلو علمتم ما هو: إني أريد رحمةً لا ذبيحة، لما حكمتم على الأبرياء ـ مت 12: 7ـ إنهم يحزمون أحمالاً ثقيلة شاقَّة الحمل، ويضعونها على أكتاف الناس، وهم لا يريدون أن يحرِّكوها بإصبعهم. وكل أعمالهم يعملونها لكي ينظرهم الناس! فيعرضون عصائبهم، ويُعظَّمون أهداب ثيابهم، ويحبُّون المتَّكأ الأول في الولائم، والمجالس الأولى في المجامع، والتحيَّات في الأسواق، وأن يدعوهم الناس: سيدي، سيدي! ـ مولانا، مولانا، قاضينا، قاضينا، مفتينا، مفتينا، هؤلاء يعيشون على دم وتعب الشعب كما تعيش السوحة على ماء الحياة في الشجرة المثمرة. 

 


لقد مجدَّ المسيح أتباعه: أنتم ملح الأرض، وهم فعلاً ملحها وماؤها وطعامها، فهم حملوا ملح المسيح، وطعامه وماؤه، الذي باركه الرب. ولبنان باركه الرب، وجعل له وجهاً مضيئاً بولادة أنوار الله، ونفخ فيه بروح المحبة والتعايش من أجل حياة كريمة، تراه يا مسيحنا ويا أنبياء الله، يتقلَّب في ظلام الفقر والفاقة، والفتنة والذبيحة والنحر والنخر، لقد كثَّروا شعوبكم فقراً وسنَّوا قوانين السيطرة والإفلاس والسرقة والنهب، وجعلوا شعبكم يعيش البطالة والجهل، وجرُّوا عنوة واغتصاباً على وجه الوطن والشعب ليتنزعوا منه روح الحياة وصفائها، وحوَّلوا الأكثرية الساحقة في بلدنا تأكل دموعاً وحسرات، ووسعوا فيه المدافن والمقابر، وبنوا من الأحجار مستشفيات لا يمكن للمريض أن يحصل على سرير وثمن دواء لأنهم سماسرة، ومدارس لا يمكن فيها دفع الأقساط، ومساجد وكنائس لا تطعم جائعاً ولا تكسو عرياناً، يا مسيحنا، زادت مشاريعم وزادت مشاكل الحياة، وكثرت الحاجات وتضاعف عدد العاجزين عن شراء الأكل، واستحكمت غائلة الفاقة بقدر ما سنوا من قوانين وزادوا من مشاريع، فلو بصرت بحالنا، كأنك تقول: والله ما أنشؤها إلاَّ لانتشار الفقر والبؤس.

 والسلام عليك يوم ولدت ويوم تموت ويوم تبعث حياً، فعليك وعلى أنبياء الله أفضل الصلاة والسلام.