يتهكّم البعض على الفلسفة من دون أن يكلّف نفسه عناء التعرّف إليها. لو عرفتُ أنّ هناك فيلسوفًا واحِدًا في أرض العرب لشدَدْتُ الرِّحال إليه. فما نعاني منه أوَّلًا هو ضحالةٌ في الأفكار. لذا، نتمسَّك بأفكارٍ أنتَجها الماضون مع أنَّها لم تعد صالحةً لزماننا. وخير من هو منتِجٌ للأفكار هو الفلسفة. فهي المصنع الدائم للأفكار الجديدة، المصنع الفكري الذي يفكِّر دائمًا بطريقةٍ مختلفة وعبر الأفهوم لا عبر الصورة.

 

   ومن خلال بعض الدردشات، وجدتُ أنّ البعض يفهم موقفنا، عندما نتناول أيّ فيلسوفٍ، وكأنّه تبنٍّ شبهُ كاملٍ لما يقوله هذا الفيلسوف. لذا، يُقال إنّي مبهورٌ بالفلسفة الغربيّة. حقيقةً، أنا مبهورٌ بالفلسفة أنّى وُجدت. ولا أقول عنها إنَّها غربيّةٌ أو شرقيّة، بل أقول عنها إنّها فلسفةٌ وحسب، إنّهارمحبّة ااحكمة وحسب. كما أنَّ لي طريقةً خاصّةً في التعامل مع عشّاق الحكمة أو الفلاسفة.

 

   وقد ورَد في الصفحتين (١٠٣ و١٠٤) من كتابي (جيل دولوز وتجديد الفلسفة) ما يلي:" تتضمّن كلُّ قراءةٍ للفلاسفة قدَرًا كبيرًا من الخيانة. وهي تتمّ من خلال وجهة نظرٍ معيّنة. يسعى دولوز، من وراء هذه القراءة، إلى توليد مولودٍ جديدٍ من ظهر الفيلسوف، يشبهه لكنَّه يختلف عنه. إنّه أقرب إلى المسخ منه إلى المولود الطبيعي. وهذا ضروريٌّ لنتمكّن من إدماج أفاهيمه في القول الفلسفي المعاصر.

 

   وفي كتاب [الفرق والتّكرار]، يقول دولوز:" إنّ تاريخ الفلسفة هو إعادة إنتاجٍ للفلسفة ذاتها. وعلى العرض في تاريخ الفلسفة أن يفعل كقرينٍ [كصنوٍ] حقيقيٍّ، ويشتمل على التغيير الأقصى الخاص بالقرين. ( نتخيّل هيغل ملتحيًا فلسفيًّا، ماركس أجرد فلسفيًّا [كما نتخيّل] بالطريقة ذاتها موناليزا ذات شارب.[...].

 

   هكذا نجد أنّ دولوز، وعندما يتكلّم على فوكو وسبينوزا ونيتشه ولايبنتس مثلًا، فإنّه، في الواقع، يتكلّم على فوكواه هو وعلى سبينوزاه هو، وهكذا دواليك.[...].    وهكذا يتبيّن أنّ الأسماء التي يتناولها دولوز في مؤلّفاته، ما هي إلا أقنعةٌ يتخفّى خلفها أو بالأحرى يتكوَّن معها من قناعٍ الى آخر؛ لأنّه ليس وراء الأقنعة هويّاتٌ ثابتةٌ، بل أقنعةٌ أخرى.