إن الفضل الكبير في حبنا لهذه اللغة سواء كنا كُتابا أو ممثلين ناطقين بلغتها أو معلقيين صوتيين أو خطاطين يعود حتما إلى مُدرسي لغتنا الأم الذين دعمونا وشجعوا فينا حبنا للعربيّة فاكتشفنا بمساعدتهم إبداعًا أهّلّنا إلى ما نحن عليه اليوم!
 

عشّاقُ اللّغةِ العربيّة بالملايين، ولسنَا وحدنا نحنُ الشُّعراء والكُتّاب أهلها. ومن يعتقدُ أن الشَّاعر هو الّذي يُدهش الآخرين بلغتهِ فهو مُخطئ، ذلك أنّ مقدورات اللّغة وجمالياتُها هي الّتي أدهشتهُ أوّلاً عندما سبَرها فأدهشتنا كقرّاء لاحقًا. بالمنطقِ نفسهِ، أعتقدُ أنَّ هنالك أشخاصًا في عدّة حقول لهم الفضلُ الكبير في استمرار نشر حبّ اللّغة وتعزيزها وتقريبها إلى القلوب أكثر، وأكّدوا أنَّ اللُّغةَ العربيّةَ نُسخةٌ جِينيّةٌ لنا، لا يُمكن أن تنفصلَ عن ذاكرتنا الحيّة كلّ يوم، فهي تمدُّنا بأكسجينِ حُرّيتنا جميعًا، وهي الّتي تربطنا بالعَالم وتُخبِر عن هوّيتنا.

 

بفضلِ هؤلاء تعلّقَ البعض باللّغة العربيّة حتّى وإن كانوا لا يجيدُون القراءة ولا الكتابة، فقد وصلتهم هيبتها ويشعرون دائمًا بذلك الرَّابط العجيب الّذي يجمعهم بها ويفاخرون بأنّها من هويتهم.

 

لنعترف بأن اللّغة العربيّة قد فجّرت كثيرًا من المواهب لأشخاص كثر، وفي هذا المقال، سأكتب عن دور هؤلاء الّذين أكسبُوا للغةِ مجدها في هذا الزَّمن وحافظوا عليها كرسالة.

 

 

محمود نصر: فصاحةُ أمراء اللّغة!

 

مازالتْ تُؤثّر بي طريقة الممثل السّوري محمود نصر في تحدّثهِ باللّغة العربيّة، خصوصًا في العمل التاريخيّ «ممالك النّار»،  محمود يملك فصاحةً لافتةً خاصّة عندما يتحدّث بالفُصحى، ومن القلائل الّذين يتكلّمون بالعربيّة كما لو كانوا يتحدّثون بها كل يوم، هو يتقمصُّ اللغة كما يتقمصُّ الدّور فينفعلُ بها في الأداء حسب سياق الجملة، والمفردة الواحدة نفسها، وحتى في الإيقاع اللّفظيّ الّذي يستخدمه بطلاقةٍ مُبهرة، حتى أن لغته تتداخل مع لغة جسده فتتحوّل الكلمات على لسانه إلى صورةٍ دقيقةٍ لما يقوله، بلغته نفسها يقنعك بأنه حقًّا رجل قبيلة أو أمير حرب غابر يتحكّم في عشيرته أو شعبه بهيبة لغته، لكأنّ اللّغة العربيّة جزءٌ من أسلحته!

 

 

كم نفتقد أمثال محمود نصر الذين يتحدثون بالعربيّة كما لو كان يتنفسّون بها ويخاطبون بها دون مجهود أو تعثّر، يكفي أنّه عندما يتكلم يذكّرك بأنّ للغةِ هيبتها وحضورها الخفيّ وبأنّها لغةٌ جميلةٌ حقًا بما تعطيه لنا من مساحات شاسعة، لذا فنجاح ذلك العمل، لم يكن مقتصرًا على نجاح دوره، بل أهمًا نجاح تأديته للغة لا سيما وأن العمل يأخذ طابعًا تاريخيًا، وله فضل جيد في أن يحبّ الآخرون العربية أكثر من خلال أدائه وحيويّة حضوره البلاغيّ.. ومحمودنا إذن من الّذين تحتفي بهم اللغة العربية في عيدها، كما اليوم!

 

إقرأ أيضا : تيك توك: ملل حجريّ أم سخافة ممنهجة!

 

 

نسيم رمضان: عندما يتجاوز سحر الصّوت سحر اللّغة!

 

صوتٌ كالنّسيم تتغيّر ألوانه على بحر الكلمات كما يريد صاحبه. إنّه صوت نسيم رمضان. نسيم واحدٌ من الذين أضافوا إلى اللّغة سحرها الخاص وعرفنا إلى أبعادها الجمالية اللامحدودة، أبعادًا أعمق أحيانًا من مدى الكلمات فلصوت نسيم سحرًا ما يعلّمك كيف تسافر عبر الكلمات وصولا إلى نشوة السّماع. لذا لا عجب أن يكون صوته الأكثر طلبًا للإعلانات الصوتية وأن يكون مفتاح العالم الرقمي باللغة العربية!

 

إنه يفهم إيقاع كل كلمةٍ على حدة من قبل أن يلفظها، ويفاصلها بصوته ويشدّها أو يرخيها بوَتَرَيْه الصّوتيين، عمقًا أو قرارًا، هدوءًا أو اضطرابًا، فتخرج منه الكلمات بنغمها  الخاصّ، وتكاد تخبرك أن لفظها الصحيح خُلق من مخرج حروفه وحده. يكفي أنّه عندما يكون في استوديو التسجيل ينشر تفاصيلا لا متناهية للغة تتجدد مع كل نبرة ينطقها!

 

التفاتتي لنسيم رمضان من القلب حقًّا، لأنّه اسم يستحقّ التكريم منذ الأزل، ويستحقُّ أن تعلّق اللّغة نياشينَ ذهبيّة على صدره، وككاتب أطمئن للغة وهي في قبضة صوته، فهو كمعلّق يعلقنا إلى لغتنا الأم ويجعل لها جسدًا وحضورًا وجماليات واسعة الصدى، وحتما هو من الّذين تحتفي بهم اللغة العربية في هذا اليوم!

 

 

خطّاطو اللغة العربية: شعراء على طريقتهم!

في زمن تخطيط العناوين واللافتات بالكمبيوتر (الغرافيك الالكتروني)، قلّ الاهتمام بمجال التخطيط باللغة العربية بالريشة والحبر، وأيا يكن فهي تطورت واقتحمت لسانيات الحوسبة، ومهنة الخطّاط واحدة من المهن العريقة التي أبرزت لنا كثيرا من الموهوبين الذين يحترفون خلق جماليات مدهشةٍ للغة، عندما يُلبسونها أثوابًا من أنواع الخطوط الممكنة وبعضهم اليوم عبر وسائل تكنولوجية متطورة، يعرفون كيف يحولون الكلمات مخططة على شكل صور فيحولون الكلمة إلى معنى وصورة حسية في نفس الوقت، أي تماما ما يفعله الشاعر بطريقة أخرى، ولذا فإنَّ الخطاط إذنْ هو أيضًا شاعرٌ ما على طريقته ورسام بالكلمات يعرف كيف يدهشنا باللغة العربية وكيف يقدم لنا نمطًا مرئيًا جذابا لها ولائقًا، وأحيي القلائل من الخطاطين الذين يزاولون هذا العمل في كل مكان ولا سيما في العراق وسوريا والجزائر وتونس، الذين مازلوا يخططون أجمل الجمل والآيات القرآنية والأبيات الشعرية بفنهم الخاص، وحتمًا حتى بهؤلاء تحتفي اللغة العربية بعيدها !

 

 

يبقى أن أشير إلى أن الفضل الكبير في حبنا لهذه اللغة سواء كنا كُتابا أو ممثلين ناطقين بلغتها أو معلقيين صوتيين أو خطاطين يعود حتما إلى مُدرسي لغتنا الأم الذين دعمونا وشجعوا فينا حبنا للعربيّة فاكتشفنا بمساعدتهم إبداعًا أهّلّنا إلى ما نحن عليه اليوم!