تنعكس التطورات السياسية الطائفية سلباً على أجواء عاصمة الشمال، التي عُرفت دوماً بمدينة التعايش الاسلامي ـ المسيحي، ولُقِّبت «عروس» ثورة 17 تشرين 2019، فيما لا يُخفى على أحد، انّ هذه المدينة العريقة اشتهرت في الاعوام الاخيرة بتميّزها في إحياء الاحتفالات الميلادية وتنظيم المهرجانات الضخمة، بجهود اقطابها السياسيين والناشطين المدنيين، المتحمسين لتثبيت صورتها الحضارية، فتكلّلت جهود هؤلاء بالنجاح، وانعكست صورة التعايش بامتياز خلال تلك الحقبة في النفوس والقلوب، بشهادة ابناء المدينة ورموزها واقطابها. فماذا اختلف اليوم؟

 

 

مرلين وهبة

لا عجب في أن تغيب مظاهر زينة العيد وبهجته في كافة المناطق اللبنانية وليس فقط عن شوارع طرابلس وأحيائها، ولكن اللافت غياب شجرة الميلاد الرمزية وسط عاصمة الشمال، وهي التي اعتاد الطرابلسيون على اقامتها والاحتفاء بها سنوياً، في وقت كان يتسابق سياسيو المدينة وأقطابها على الاحتفال بإنارتها في زمن الميلاد.

المراقبون يعزون الاسباب الى عوامل سياسية واقتصادية وصحية عدة.

  في السياسة، يرى البعض انّ الهجمة التركية والقطرية على عاصمة الشمال وتنسيق بعض رموزها السياسية مع تلك الجهات، أيقظا العزلة الاسلامية، بل والتشدّد الطائفي في ربوع المدينة «السنّية الهوى»، بالإضافة الى تأييد بعض المجموعات الشبابية الشمالية سياسياً، تفعيل التحرّك التركي غير المستجد، وكذلك تنشيط الدور القطري المستجد والمنطلق بقوة في الساحة الشمالية. وجاء هذا التأييد نتيجة انكماش الدور السعودي والخليجي في لبنان عموماً، واختياره النأي بالنفس عنواناً لتحرّكه السياسي في لبنان خلال المرحلة الحالية.

وفي السياسة، يبدو ايضاً انّ تداعيات التحقيقات القضائية في انفجار مرفأ بيروت، ولا سيما منها الاستدعاءات الأخيرة، وتحديداً تلك التي طاولت رئيس الحكومة «السنّي» حسان دياب، انعكست على طرابلس ورموزها السنّية تحديداً، حيث تغاضى البعض في هذه المرحلة عن تظهير صورة التعايش التي اعتادوا عليها سنوياً، وتحديداً في زمن الميلاد، بعدما كانوا يتهافتون على احياء المناسبات الميلادية وانارة شجرة الميلاد وسط المدينة... كذلك لا ينسى أهل المدينة كيف رفع الثوار في عزّ الثورة شجرة الميلاد في وسط ساحة النور.

وفي وقت يذكر الجميع محاولة إحراق شجرة الميلاد السنة الفائتة، وتسابق السياسيين وأقطاب المدينة على المشاركة شخصياً في اعادة انارتها بواسطة شرطة البلدية، والقاء خطابات تشدّد على التعايش الاسلامي ـ المسيحي في المدينة، غابت هذه الشجرة اليوم، وغابت عنها الشخصيات والخطابات…

لماذا؟

يعلم الجميع أنّ طرابلس «سنّية الهوى»، ويبدو انّ غالبية ابنائها، كما رموزها، يتضامنون اليوم مع دياب، معتبرين أنّ استدعاءه شخصيّاً الى القضاء إنما يطاولهم، ويشكّل في نظرهم إعتداء على رمزية الطائفة السنّية، حتى لو لم يؤيّدوا سياسته او حكومته وقراراتها، الأمر الذي انعكس جليّاً في أحاديث ابنائها وفي أسواق المدينة، حيث لا يخفون استياءهم من تعاطي القضاء مع «رموزهم السنّية» ويجاهرون علناً به، وهم مقتنعون انّ استدعاء دياب لم يستهدف فقط موقع الرئاسة الثالثة، بل يستهدف طائفتهم ويُضعف الموقع ولا يقيم اعتباراً لأهل السنّة.

هذه «اللازمة» التي يردّدها البعض من ابناء المدينة، اقتنع بها حتى المثقفون من بينهم، بالإضافة الى بعض الذين يتعاطون الشؤون القانونية والقضائية.

وهذه الاجواء الضاغطة طائفياً، خصوصاً في زمن الميلاد، ساعدت في تبديد صورة التعايش الإسلامي ـ المسيحي في المدينة، وبدّلت المشهد الميلادي الذي عهدته، فسقطت «خطابات التعايش» سهواً.

لماذا غاب السياسيون؟

المؤشر الإضافي اللافت، هو غياب السياسيين عن احتفال تنصيب المطران يوسف سويف خلفاً للمطران جورج ابو جودة على ابرشية طرابلس المارونية، وهي ظاهرة تحصل للمرة الاولى في المدينة، بعدما كانت تشهد احتفالية تنصيب المطارنة في كنيسة مار مارون حشداً من الشخصيات والاقطاب والرموز السنّية، التي تتسابق على الترحيب بالمطران الجديد. إلّا انّ المفارقة اليوم، كانت غياب هؤلاء كلياً، وعدم ارسال ممثلين عنهم الى هذا الإحتفال، باستثناء تمثيل يتيم للوزير السابق محمد كبارة.

كورونا والضائقة الاقتصادية؟

يستذكر المسالمون من ابناء طرابلس بحسرة رفع شجرة الميلاد عند مستديرة مستشفى النيني، في حضور المطارنة وكافة اقطاب المدينة، الّا انّهم يعتبرون انّ جائحة كورونا والضائقة الاقتصادية هما السبب الاساس لغياب الاحتفالات ومعالم الزينة عن المدينة هذه السنة، الّا انّ هذا الوضع في رأيهم لا يمنع رفع هذه الشجرة في وسط عروس الثورة.

درباس: التعايش ما زال قائماً

ابن المدينة الوزير السابق رشيد درباس، استبعد اختفاء التعايش كلياً، مؤكّداً «انّ المسألة هي مسألة احباط، لأنّ المواطنين مفلسون»، مشيراً الى «انّ شجرة الميلاد ما زالت تُرفع في معظم منازل العائلات المسلمة في طرابلس سنوياً، الّا انّ جائحة كورونا احبطت الجميع، اذ لا يجب النظر الى المدينة كأنّها تفتقر الى شجرة الميلاد هذه السنة، بل هي تفتقر الى صمّام الامان، بحيث اذا جاعت يطعمونها». ومشدّداً على «انّ المشاعر ما زالت نفسها».

أما عن انعكاس التحقيقات المستجدة في قضية مرفأ بيروت على الرأي العام السنّي في طرابلس تحديداً، فيرى درباس «انّ ما صدر عن القاضي صوان لا يمكن قراءته بحسن نية، لأنّ لعبته خطرة، والخطر الأكبر تمثل بردّة الفعل المبالغ فيها لدى الطرف الآخر، والتي لم تكن في محلها»، معتبراً «انّ القضية برمتها ليست مسألة مسٍّ بالطائفة السنّية، ولأنّ رئاسات الجمهورية والحكومة ومجلس النواب، تكمن اهميتها بأنّها ادوات لتطبيق الدستور، وما يهمّ هو تطبيق الدستور، فيما القاضي صوان خرق هذا الدستور».

  اما عن «المحميات الطائفية» فقال درباس، إنّ خرقها لا يهمّه بمقدار ما يهمّه خرق الدستور، وهذا ما فعله صوان، في رأيه، موضحاً «أنّ القاضي إذا كان لا ينوي ملاحقة رئيس الجمهورية، لأنّه يلاحق بالامور التي لها علاقة بالوظيفة الدستورية، يكون في الوقت نفسه غير قادر على ملاحقة الرئيس حسان دياب للأسباب نفسها». وأضاف: «اما اذا اعتبر جرم حسان دياب جرماً عادياً، فهو ملزم أن يقول انّ عمل رئيس الجمهورية هو جرم عادي ويُلاحق عليه ايضاً». وذكّر بالبيان الاخير الصادر عن رؤساء الحكومة السابقين و»الذي يوثق كلامي».