واليوم، وفي ظل المعلومات عن توجه جدي لرفع تدريجي للدعم عن السلع الاساسية ولا سيما المحروقات مقابل تقديمات مالية يجري درسها للسائقين وللعائلات المحتاجة، تنتقل البلاد الى مستوى جديد واخطر من مستويات الانهيار. وهذا المستوى يهدد في شكل جدي الاستقرار الاجتماعي الهش اساساً ويقذف كرة النار في وجه كل من يعتقد انه لا يزال في منأى عنها، وانه قادر بعد على اللعب على الوقت، فيما هامش المناورات يضيق اكثر ويهدد بالانفجار الوشيك.
 

مع كل عامل أو أي حدث يتغير أسلوب القوى السياسية في التجاذب على تشكيل الحكومة ولا تتغير النتيجة. بعد فترة انقطاع، قام الرئيس المكلف بزيارة قصر بعبدا والتقى رئيس الجمهورية ميشال عون لإعادة تحريك الملف الحكومي. الاجواء نفسها رافقت الزيارة وسبقها التسريب بأن الحريري سيعمل على تسليم عون مسودة عن تشكيلته إلا انه لم يفعل ذلك بشكل رسمي، اذ تكشف المعلومات ان الحريري قدم عرضاً شاملاً عن تصوره الحكومي، بدون تقديم التشكيلة، وعدم طرح كيفية توزيع الحقائب وبعض الاسماء فيما ترك النقاش الاساسي حتى موعد الزيارة الثانية للحريري الى القصر.

 

قبل الزيارة الثانية سيجري خلالها الرئيس المكلف المزيد من الاتصالات مع القوى السياسية بحثاً عن امكانية التوافق، لكن الأكيد ان لا حكومة تلوح في الأفق. لا الظروف الاقليمية تسمح بذلك في ظل استمرار التصعيد والتشدد الأميركي، ولا الظروف الداخلية التي يتحكم بها مسار الانهيار ستسهل تشكيل حكومة اول ما ستواجهه هو قرار رفع الدعم وستأتي على وقع احتجاجات الجوع في الشارع. 

 

 

بحسب المعلومات فإن الحريري قد قال لمقربين منه ولرؤساء الحكومة السابقين قبل فترة، بأنه سيزور بعبدا مرتين هذا الاسبوع، المرة الأولى والتي كانت امس الاثنين، بهدف جس النبض ووضع اطار عام بحثاً عن امكانية التوافق، والمرة الثانية يوم الاربعاء المفترض، اذ بحال عدم التوافق سيعمل الحريري على تقديم تشكيلته لعون. 

تلك الصيغة توصل اليها الرجل بعد مناشدات رؤساء الحكومة بعدم الاستمرار في هذه المراوحة القاتلة ورمي الكرة في ملعب رئيس الجمهورية بتسليمه التشكيلة. 

 

إقرأ أيضا : تظاهرة دولية لمساعدة لبنان والامر عند الطبقة السياسية سيان

 

يريد الحريري تجنب الصدام مع عون، الذي طلب منه التفاهم مع كل القوى وبعدها يعود ليتفاهم معه، بينما حزب الله لم يسلمه اسماء وزرائه تضامناً مع رئيس الجمهورية، هذه المؤشرات لا تفيد بأن ولادة الحكومة ستكون قريبة، خصوصاً ان الخلاف على توزيع الحقائب لا يزال قائماً، اذ ان عون يتمسك بالحصول على الثلث المعطل وحده بدون حلفائه، وتسمية 7 وزراء مسيحيين من اصل 9، بينما الحريري يعرض عليه تسمية 5 منهم.

 

 

وفي حين يتقاذف أهل السلطة مسؤولية التعطيل بين ركني التأليف العلنيين، اي رئيس الجمهورية والرئيس المكلف، بحيث يرمي الواحد كرة التعطيل في ملعب الاخر، فإن الحقيقة التي يراها اكثر من مرجع داخلي بعين الواقعية والتجرد تكمن في رغبة السلطة، بالتأخير، كلٌ وفق حساباته الخاصة التي لا يجمع بينها أي قاسم مشترك الا تأجيل ولادة الحكومة. انها لعبة سلطة لم تأبه لوجع أكثرية اللبنانيين، فلا الوضع المأساوي إقتصادياً وعلى رغم كل الضغوط الدولية فإن قصر بعبدا متمسك بموقفه التسعة وزراء ونقطة على السطر، فموقف قصر بعبدا سابقة في ممارسات رئاسة الجمهورية وتجربة لم يشهدها لبنان إلا في عهد الرئيس عون.

 

خلاصة هذه التجربة او نهايتها هي دفع اللبنانيين نحو جهنم، هذا الموقع الذي تكلم عنه رئيس الجمهورية. ببساطة لا يريدون عودة الرئيس الحريري الى السراي حتى لو بقي لبنان مجمداً ومحاطاً بالكوارث لألف سنة.

 

ما يجري هو تقاذف للمسؤوليات بين القوى المختلفة، وكأن الجميع يعلم أن لا حكومة، ولا بوادر لولادتها فيما كلهم يبحث عن ابعاد صورته التعطيلية عن مرأى المجتمع الدولي.

 

 

واليوم، وفي ظل المعلومات عن توجه جدي لرفع تدريجي للدعم عن السلع الاساسية ولا سيما المحروقات مقابل تقديمات مالية يجري درسها للسائقين وللعائلات المحتاجة، تنتقل البلاد الى مستوى جديد واخطر من مستويات الانهيار. وهذا المستوى يهدد في شكل جدي الاستقرار الاجتماعي الهش اساساً ويقذف كرة النار في وجه كل من يعتقد انه لا يزال في منأى عنها، وانه قادر بعد على اللعب على الوقت، فيما هامش المناورات يضيق اكثر ويهدد بالانفجار الوشيك.