نعى بالأمس الزعيم وليد جنبلاط في لقاءٍ مع الإعلامي جورج صليبا على قناة الجديد الكيان اللبناني ثلاث مرات، فهذا الكيان واقعٌ في المنطقة العربية المُهدّدة من محورٍ ثلاثيٍّ لا يرتدع ولا يرحم: إسرائيل وإيران وتركيا، وأولى ضحاياه هي الدولة اللبنانية التي تذوي رويداً رويدا، حتى شارفت على الزوال، ولا أملَ يُرتجى  برأي جنبلاط في المستقبل القريب، بعد أن تراجعت الحلول "الوطنية"، وتقوقعت القيادات السياسية الفاسدة في "مهاجعها" الطائفية، مُعترفاً بأنّه شخصيّاً أُجبِر على التراجع إلى "جُحره" الدرزي، وعندما سُئل: ألا يوجد في البلد حلفاء معك للعمل على خلاص لبنان، لم يجد الزعيم الدرزي في ذاكرته سوى الرئيس نبيه بري( بعد أن نفض يديه من الدكتور سمير جعجع والرئيس سعد الحريري)، مُتجاهلاً كون الرئيس بري أحد أعمدة الفساد المشهورين في البلد، هذا لو تغاضينا قليلاً عن اعتباره هو شخصيّاً ضالعٌ في الفساد( حسب بعض الاعترافات الشخصية له في مناسباتٍ عدّة)، إلاّ أنّ المُقلق في لقاء جنبلاط التلفزيوني بالأمس هو اعتقاده الجازم بأنّ الكيان اللبناني مُقبلٌ على الإندثار بفعل فاعل: الهيمنة الإيرانية والحُكّام القابعون على كراسي الحكم، وفي طليعتهم رئيس الجمهورية، وعندما وُجّه له سؤال: هل تطالب باستقالة رئيس الجمهورية؟ فضّل عدم الرّد بالإيجاب، مخافة الردود الطائفية، وأنّ هذه المُهمّة يجب أن يتولّاها المسيحيون، وفي مقدمهم البطريرك مار بشارة الراعي والدكتور سمير جعجع وسليمان فرنجية.

 

إقرأ أيضا : آلان عون لا عِلمَ له بموبقات التيار الوطني الحر وتراخي العهد القوي.

 

إذا كان الكيان اللبناني مُهدّداً من الخارج وفق رؤية وليد جنبلاط،  مع تحميل إيران المسؤولية الكبرى عبر ذراعه حزب الله، فمن يمكن أن يحافظ على هذا الكيان سوى الدولة؟ يقول جنبلاط أنّ الدولة اللبنانية كانت حاضرة منذ صيغة الميثاق الوطني التي أُعلنت بعد الإستقلال، وكانت حاضرة في الدولة الشهابية الإصلاحية، ولم تغب الدولة البتّة عن وعي اللبنانيين الذين احتربوا بالسلاح طوال الحرب الأهلية التي استمرت منذ العام ١٩٧٥ وحتى مشارف تسعينيات القرن الماضي، وحتى في زمن الوصاية السورية على لبنان ظلّت فكرة الدولة اللبنانية وديمومتها حاضرة، وكان الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد واعياً لأهمية الحفاظ على الدولة اللبنانية وحمايتها من السلاح الفلسطيني المُتفلّت، ومخاطر التّقسيم، وله قولٌ مشهور في هذا المجال: السوريون واللبنانيون شعبٌ واحد في دولتين، وعندما سأل الإعلامي صليبا جنبلاط: هل تترحّم على عهد الوصاية السورية على لبنان؟ تجنّب جنبلاط الإجابة بنعم، مُدّعياً أنّه يستحضر أحداث التاريخ ليس أكثر، أمّا الدولة اليوم فهي تذوي كما قال، وهي تُشرف على الزوال،وهذا ما يجب أن تُسأل عنه الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ليتجنّب التّوجه مباشرةً لحزب الله، أمّا اللبنانيون فهم ولا شك يترحّمون على دولة كانت حيّةً وفاعلة ومُزدهرة في أحلك الظروف، ويتحلّقون اليوم فوق سرير الدولة التي تحتضر تحت الرعاية الإيرانية،  بانتظار فرجٍ ما يقرب من حدّ المعجزة، في زمنٍ ولّت فيه المعجزات إلى غير رجعة.

 

قال الشاعر:

إذا ما دعوتُ الصّبرَ بعدك والبُكا 

أجاب البكا طوعاً ولم يُجِب الصّبرُ

فإن ينقطع منك الرجاءُ فإنّه 

سيبقى عليك الحُزنُ ما بقي الدهرُ.