مع اقتراب العام 2020 من نهايته، يرتسم في الأذهان حالياً سؤال يتعلق بالمشهد المالي والاقتصادي في العام 2021. هل سيكون «جهنم الموعود» أصعب بكثير من الوضع الحالي؟ وما هي التغييرات التي قد يواجهها البلد وناسه في المرحلة المقبلة؟

من خلال المؤشرات المتوفرة حتى الآن، والتي قد تنقلب رأساً على عقب من دون سابق إنذار، يمكن القول انّ المشهد الاقتصادي والمالي سوف يمضي في الهبوط وبوتيرة أسرع وأشدّ تعقيداً في العام 2021. وهناك فرضيتان سيئتان بارزتان حتى الآن: الفرضية الاولى، تقول باستمرار الوضع السياسي على ما هو عليه، أي في ظلّ حكومة تصريف أعمال، الى جانب رئيس مُكلّف عاجز عن التشكيل أو عن الاعتذار. الفرضية الثانية، تقضي بتأليف حكومة محاصصة، لا تختلف في مضمونها عن حكومة تصريف الاعمال القائمة حالياً. وفي ظلّ هذين السيناريوهين، سيشهد الوضع المالي والاقتصادي الاحتمالات والوقائع التالية:

اولاً- سيضطر القطاع المالي، وبإدارة مصرف لبنان، الى وضع قيود اضافية على كل انواع السحب النقدي من المصارف بالليرة. وبالتالي، سيُصار الى تضييق اضافي على المودع. وليس مستبعداً ان ترتفع قيمة المال النقدي بالليرة، كما هي عليه قيمة الدولار النقدي، ولكن وفق نسب مختلفة. اذ انّ شيك الدولار يُباع اليوم بحوالى 33% بالدولار الطازج (fresh)، في حين انّ شيك الليرة في 2021 قد يُباع بين 70 أو 80% من قيمته الاسمية.

 

ثانياً- ستتراجع أكثر قدرة اللبنانيين على الاستهلاك، بسبب القيود الاضافية على السحب النقدي. وبالتالي، قد يستمر الانكماش في حجم الاقتصاد (GDP) بحيث سيصبح حجم الدين العام بالدولار على الناتج شاسعاً، وتصعُب معالجته بلا كلفة باهظة على حاملي السندات قد تتجاوز الـ85%.

ثالثاً- سيؤدّي الانكماش الاقتصادي الى انكماش في عدد المؤسسات القادرة على الاستمرار. وهذا يعني بطبيعة الحال، المزيد من العاطلين من العمل المحتاجين الى دعم عاجل. وتشير تقديرات الى نسبة قد تصل الى 60% في القطاع الخاص.

رابعاً- بصرف النظر عن الآلية التي سيتمّ اعتمادها لاستمرار الدعم، سيؤدي التراجع الكبير في بيئة الاعمال الى توسّع رقعة المُصنفين في خانة الفقر. وسينضمّ الموظفون في غالبيتهم الى لوائح الفقراء. مع التذكير بأنّ البنك الدولي حدّد مبلغ 93 دولاراً شهرياً، كحدٍ أدنى لمستوى الفقر. أي أنّ كل فرد يقلّ مدخوله الشهري عن هذا الرقم يُصنّف من الفقراء. وعليه، ستكون لائحة الفقراء في لبنان طويلة، وطويلة جداً، وستكون مرتبطة بطبيعة الحال، بتطورات سعر صرف الليرة.

خامساً- رغم القيود التي ستوضع لتخفيف سرعة تضخّم الكتلة النقدية، إلّا أنّ الحاجة الى ضخ كميات اضافية من الليرة في السوق ستكون حتمية، وبالتالي، سيصعب منع استمرار انخفاض قيمة الليرة، بما يعني انّ سعر صرف الدولار في هذا الوضع سيرتفع اكثر، ولن يكون مستوى الـ10 آلاف ليرة للدولار هو السقف الذي قد يتوقّف عنده هذا الارتفاع. وهذا يعني انّ الحدّ الأدنى للرواتب قد يتراجع من 450 دولاراً، كما كان في ظل دولار الـ1500 ليرة، الى 60 أو 50 دولاراً، وربما أقل من ذلك. وهذا يعطي فكرة كم سيبلغ عدد الفقراء في البلد.

سادساً- سنشهد في العام 2021 عملية تطهير للقطاع المصرفي، بحيث سيضطر مصرف لبنان الى التدخّل لمعالجة ملفات مصارف غير قابلة للحياة. وفي المعلومات، انّ عدداً من المصارف تعمل بجهد كبير في الوقت الراهن لتأمين زيادة الرأسمال الذي طلبه المركزي. كما أنّ مفاوضات بيع المصارف لوحداتها العاملة في الخارج قطعت شوطاً كبيراً، وبات بعضها على قاب قوسين أو أدنى من الإنجاز. هذه الصفقات ستؤمّن للمصارف المصنّفة كبيرة، القدرة على الصمود والاستمرار. لكن المشكلة ستظهر بوضوح لدى مصارف أخرى عاجزة عن تلبية شروط البقاء. وهنا، يبرز تخوّف من قدرة المركزي على وضع يده عليها وضمان استمراريتها، ضماناً لحقوق المودعين. وهنا يسأل البعض، اذا ما كان مصرف لبنان قادراً بعد على لعب دور المُنقذ في ظلّ تراجع قدراته المالية الى مستويات مُقلقة. وفي المقابل، اعتاد المركزي تقديم الإغراءات لمصارف أخرى لتستحوذ على مصارف صغيرة تعاني صعوبات، لكنه اليوم عاجز عن تقديم الإغراءات. كما أنّ المصارف الكبيرة عاجزة عن أخذ المبادرات لإنقاذ مصارف صغيرة متعثرة. في كل الاحوال، سنشهد عملية تقليص للكلفة التشغيلية لدى كل المصارف، بما يعني الاستغناء عن عدد كبير من موظفي القطاع المالي.

 

سابعاً- سيترافق الانكماش المستمر، مع انحسار اضافي في الاستيراد، بحيث انّ مشهد السوق سيصبح مختلفاً عمّا عرفه اللبناني في الماضي. وستزداد مشاكل الاستشفاء والدواء والتعليم تعقيداً.

ثامناً- ستشهد السوق العقارية المزيد من الانهيار، وقد تتهاوى الاسعار بنسب اضافية عمّا شهدته في 2020، قد تصل الى 30% عمّا هي عليه اليوم. هذا التطور سيزيد الضغوطات على محفظة قروض القطاع الخاص لدى المصارف، والتي تقارب الـ50 مليار دولار.

هل هذه المؤشرات مجرد توقعات قد لا تحدث؟ من البديهي انّ بعض هذه المؤشرات أقرب الى الحقائق التي لا بدّ منها. لكن الفرق الذي قد يحصل على المستوى السياسي في حال حصول اعجوبة ما، من شأنه أن يخفّف من وطأة هذه التداعيات، بمعنى انّ تراجع سعر صرف الليرة الى مستوى 10 آلاف ليرة للدولار، يختلف بطبيعة الحال عن تراجعه الى 20 الف ليرة للدولار،على سبيل المثال لا الحصر.

في كل الأحوال، وبصرف النظر عن الاجراءات التي قد تُتخذ لمواجهة الأزمة ومعالجة تداعياتها، فإنّ الفرق لا تصنعه نوعية الإجراءات فحسب، بل توقيتها. كل اجراء في غير توقيته يفقد القسم الاكبر من قيمته وفعاليته.

الوقت هو معيار النجاح أو الفشل. وحتى الآن، أثبتت المنظومة السياسية، الى تمتٌّعها بمزايا الاستهتار والجهل وقلة الضمير، انّها تمتلك أيضاً، وعن جدارة، ميزة هدر الوقت، واتخاذ القرارات في توقيتها الخاطئ.