الشّغوف بالقراءة نهمًا، والعاشق للكتاب ثقافة، والوله للوعي و المعرفة، والمحبّ للإطّلاع على تشكيلات الرّوايات والقصص، أحدثها و أقدمها و أنواعها، أو يُريد كتب دراسيّة أو بحثيّة جديدة أو قديمة و أو مستعملة، أو حتّى من يُريد العثور على كتب مميّزة أو نادرة، أو مجلاّت و جرائد و صحف قديمة، و ليس لديه مالاً وفيرًا، فقبلته رصيف طريق مرجة رأس العين في مدينة الشّمس بعلبك، حيث ملاذ و محجّة المثقّفين من كلّ الطّبقات...

 

إلى هناك، إلى زاوية عند طريق مرجة رأس العين في مدينة الشّمس بعلبك، يأتي من بلدته علي النّهري، حاملاً في سيّارته مجموعة مختارة من صناديق كرتونيّة ممتلئة بأنواع من الكتب القديمة، و التي تعتّقت أوراقها و إصفرّت... و هناك، حيث يفترش حبيب قاسم الفقيه بضاعته الكتبيّة على أرض حجارة البلاط الرّصيفيّ، أمام الزّوّار بمعرض الكتاب الهوائي، حيث يحلو له الهدأة و الإطمئنان، على صوت موسقات خرير المياه، المنسابة تماهيًا، تتثاقف في غفلة من بائع الكتب حبيب قاسم الفقيه، و ضجيج السّيّارات و عجيج المارّة، و حركة الفضول، على رصيف الطّريق المؤدّي إلى مرجة رأس العين، عند سور مجرى قناة مياه نهر رأس العين...

 

في هذه الزّوية من المكان، يمضي بائع الكتب حبيب قاسم الفقيه، مجمل وقته اليوميّ، يستقبل وفود القرّاء بإبتسامته المعهودة، مجيبًا على تساؤلاتهم و إستيضاحاتهم، و يستقبلونه بإهتمامهم ففي إنتقاء و شراء ما يحلو لهم من قديم و عتيق الكتب...

 

ففي تلك الزّتوية لمعرض بائع الكتب حبيب قاسم الفقيه، يقول التّاريخ بوحًا ما يشاء، على ذمّة الزّمن... و مقولات التّاريخ متجسّدة في صفحات بين طيّات مختلف الكتب، المرصوصة و المرصوفة بشكل إستعراضيّ على رصيف الطّريق المؤدّي إلى مرجة رأس العين، عند سور قناة مجرى نهر رأس العين، حيث تحتضن تلك الكتب بين سطورها تاريخ تحفظه على مدى العصور، و روايات لنجيب محفوظ و إحسان عبد القدّوس، و المنفلوطي و كتب روحانيّة و زراعيّة و علميّة و تسالي مختلفة و متنوّعة، و قواميس و مجلاّت و صحف، و كتب دراسيّة قديمة... و أنت تتجوّل أمام بسطة الكتب، و تتفقّد أو تفتّش عن عنوان ما، تشتمّ رائحة الكتب القديمة، فتشعر و كأنّك تتنفّس فوح من عبق التّاريخ، فتحملك الذّاكرة على أجنحة الخيال، و تبدأ رحلة تجوالك الإفتراضيّة، و أنت تدوس أطوار و أدوار و أكوار و أخبار حقب الماضي و أنت مسمّر في حاضرك...

 

هناك... تنتعش الحياة تنمية ثقافيّة مستدامة، عند زاوية رصيف طريق مرجة رأس العين و سور قناة نبع رأس العين، قرب مركز بريد بعلبك، مقابل مسجد المصطفى، حيث تتراصف أنواع مختلف من الكتب، تتحابب و تتعاشق فيما بينها، و تتغازل مع زوّارها، على شاكلة معرض هوائيّ، لتغدو قبلة و محجّة السّواد الأعظم من الرّوّاد و الزّائرين، الباحثين عن المطبوعات التى تتماشى أسعارها مع دخلهم كمواطنين العاديين...

 

بائع الكتب حبيب قاسم الفقيه منذ عام 1997 ميلاديّة، بدأ عمله في تسويق الكتب، ضمانًا لمسيرة عيشه بالحدّ الأدنى، و راح يجول و يصول و يقرأ و يبحث عمّا هو مفقود و نادر، باحثًا عنها لإقتنائها و تسويقها و بيعها لمن يلجأ إلى بسطته، بحثُا عن الكتب القديمة و المستعملة، نظراَ للغلاء الفاحش لأسعار الكتب الجديدة، أو بسبب بحث الكثير من القرّاء عن أمور معيّنة...

 

و يتمتّع بائع الكتب حبيب قاسم الفقيه، بسمة تسويق الإعلان اللفظي المباشر، حيث يقول تشجيعًا لزبونه و تحفيزه على الشّراء: الكاتب فلان، جميع كتبه من عندي، و الأديب فلان غالبيّة محتويات مكتبته أنا قمت بتأمينها له... و أنت تقف أمام بسطته، تتفاجأ فعلاً بغالبيّة زبائنه، الذين هم من الأدباء و الكتّاب و الشّعراء و هواة القراءة، و يباركك بتعريف هؤلاء الكتاب بك و يُعرّفك بهم طوعًا، و كأنّ مسؤوليّته التّواصليّة، يختصرها بالتّعارف للتّآلف... و عند سؤاله عن حركة التّسويق؟ يشكو من الرّكود في بيع الكتاب في ظلّ الواقع المؤلم المرير، حيث هبوط قيمة سعر الليرة، و جمح إنتشار جائحة كورونا... و تسمعه يُكرّر الأسطوانة "لم يعد أحد يقرأ هذه الأيّام، فواتس أبّ التّيلفونات و فيس بوك الأنترنت قضيا على الالكتاب الورقي"...

 

و من مزايا بائع الكتب حبيب قاسم الفقيه، التي يتمتّع بها، حسن معرفته الواسعة بأصناف الكتب و مكان وجودها في دور النّشر اللبنانيّة، متحلّيًا بصفة العارف النّبيه بكلّ شيء، و بكلّ ما هو جديد عبر حركة النّشر و مستودعات الإصدارات، و خوض النّقاشات في كلّ ما يتعلّق بعالم الكتب، حيث لا أحد يقول عن زيته عِكر، و أيّ كتاب عنده هو رائع...

 

بائع الكتب حبيب قاسم الفقيه، يشتري الكتب المستعملة و ينتقي العناوين بعناية كبيرة، في مسعى لجذب القارئ المميّز، فهو إنتقائي حتّى مع زبائنه، مع أولئك الذين يشترون الكتب و يعودون إليه مجدّداً لشراء المزيد... أسعار كتبه ليست باهظة، بل ثمنها مقبولاً للجميع، و أرباحه من بيع الكتب زهيدة للغاية و تكاد لا تُذكر مقابل كلّ كتاب يبيعه...

 

حبيب قاسم الفقيه بائع كتب، من مواليد العام 1952 ميلاديّة، من بلدة علي النّهري، مثقّف يمتلك شخصيّة هادئة و محبّبة تساعد الجميع... و نحن أمام بسطة كتبه، يسرقنا الوقت و نحن واقفون أمام شخصيّته، نتفرّس في وجهه الذي يحمل في تجاعيده، سيرة حياته و تعبه، و هو يقضي جلّ أوقاته على قارعة طريق مرجة و قناة رأس العين، حيث يستحق منّا كلّ التّقدير و الإهتمام...

 

و نحن نتبادل معه أطراف الحديث، يبوح لنا بتجربته السّياسيّة و الحزبيّة، و تنحّيه عنها، و يُفاجئنا بأنّه كما باقي أبناء قرى الرّيف البعلبكي، ينظم سليقيّا الشّعر المحكي، و يُدغدغ أسماعنا، مقدّمًا لنا هذه القطعة من خواطره الشّعريّة و من كلماته:

"حروفْ المحبّة تْركّبوا بْجُملْ

جْمعتهم طِلعوا لي أملْ

تركْلي الفلسفة عَ جَنَبْ

و خلِّ الحبّ كلّو عملْ".

 

بقلم: حسين أحمد سليم باحث كاتب ومهندس فنّان عربي لبناني