حسناً فعل وزير الداخلية محمد فهمي عندما صرّح بوجود فسادٍ فظيع في الأجهزة الأمنية والقضائية، رافعاً نسبة الفساد في القضاء إلى حدود الخمسة وتسعين بالمائة، تاركاً نسبة مُتدنّية جدّاً للقضاة النزيهين في السّلك، وثارت بوجه الوزير فهمي احتجاجاتٍ واعتراضاتٍ عِدّة، لعلّ أقساها ذاك الموقف الذي أطلقه نادي القضاة، مُذكّراً باعترافٍ سابقٍ للوزير بقتله شخصين( زمن الحرب الأهلية)، وأنّه اليوم مُقصّرٌ في حماية قصور العدل وحراستها، أمّا مجلس القضاء الأعلى فقد اكتفى بالطلب من النائب العام التمييزي، اتّخاذ الإجراء القانوني المُلائم بحقّ الوزير، واعتبار كلامه بحقّ القضاء والقُضاة أمراً غير مقبولٍ، وغير مسموحٍ به بتاتاً، وهو غير صحيح.

 

اقرا ايضا : مجلس النواب اللبناني وحيوان الملوخ: رأس حقيقي وآخر مُزيّف

 


لعلّ أفضل موقفٍ مُساندٍ ومؤيّدٍ لمواقف الوزير فهمي، جاءت من جانب النائب جورج عقيص ( قاضٍ سابق وعضو كتلة الجمهورية القوية النيابية)، صحيح أنّ النائب عقيص لم يوافق على رقم نسبة الفاسدين في سلك القضاء اللبناني التي أطلقها الوزير فهمي، لا بل قلَبَها رأساً على عقب، ليُصرّح بأنّ نسبة الفاسدين في سلك القضاء لا تتعدّى الخمسة بالمئة، وهاهنا تكمن علّة العلل في رأي النائب عقيص، فهؤلاء الخمسة بالمئة هم المحظوظون والمُقرّبون من أهل السلطة، وهم الذين يتولّون المراكز الحسّاسة في البلاد، وهم الذراع الطويلة والغليظة للسياسيين على ظهر الشعب "المقهور والمظلوم"، وهكذا تكون تهمة الفساد التي أطلقها الوزير فهمي في وجه القضاء في محلّها المناسب، وليست اعتباطية أو مُتجنّية، فهؤلاء القضاة الفاسدين الذين لا تتعدّى نسبتهم الخمسة بالمئة هم الممسكون بزمام النيابات العامة وأجهزة الرقابة والتّفتيش، والتّحقيق القضائي، ورئاسة محاكم الدرجة الأولى، وهم المؤهّلون لفساد القضاء، وفساد البلد بالإستتباع، وقديماً قيل: تفاحة فاسدة واحدة تُفسد صندوق التفاح بكامله، لذا يمضي النائب عقيص باتّهامه للقضاء بالفساد والتّقصير، بأنّنا لو افترضنا بأنّ كلّ قضاة لبنان ليسوا فاسدين، بل نُسّاكاً طاهرين، أفليس من حقّ الناس أن تسأل عن مردود طهارتهم على مستوى بناء المؤسسات، وأخيراً يدعوهم عقيص للإنتفاض على واقعهم  "المزري" وواقع المؤسسات القضائية والرقابية "المزري"، سواء جاء ذلك بناءً على قولٍ ظالم، أو قيل عن قصدٍ أو عن زلّة لسان ( لا فرق).
فعلاً، يجب عدم الوقوف أمام أرقام النِّسب، بل الذهاب إلى بيت القصيد، فالفساد القضائي واقعٌ وآثاره ظاهرة للعيان، والعدالة مفقودة ومُرتهنة، وتكاد أن تكون في علم الغيب، في حين أنّ الظلم واقعٌ، والفساد مُستشرٍ، والبلد في طور الإنهيار المتسارع نحو الهلاك.

 


قال أحد قادة الأحزاب المعارضة في البرلمان الفرنسي في زمانٍ غابر: إنّ نصف أعضاء هذا المجلس أغبياء، فقامت ضجّة في قاعة المجلس، وعلت الأصوات مُطالبةً من النائب الإعتذار، وبعد أخذٍ وردّ، أذعن و قال: أعتذر ممّا بدر منّي، فنصف أعضاء هذا المجلس أذكياء، وكان يجدر بالوزير فهمي أن يعتذر لقضاة لبنان بالقول: حصل خطأ ما في الحساب( والحسابُ مظنّةُ الخطأ كما تقول العرب)، فالفاسدون في سلك القضاء لا يتعدون الخمسة بالمئة، وهذه النسبة لا تُفسد القضاء وحسب، بل تُفسد البلد بأكمله.