تحت عنوان: "من رسالة الرئيس إلى قرار المجلس: الحاكم هو الأقوى"، كتب نقولا ناصيف في صحيفة "الأخبار": لم يسبق لمجلس النواب أن أجاب يوماً عن رسالة لرئيس الجمهورية وجّهها إليه بموجب الفقرة 10 من المادة 53 على نحو ما فعل أمس، سواء كان الجواب فعل حق قابلاً للحياة - وهو حتماً ليس كذلك - أو فعل باطل قطع أخيراً عنق التدقيق الجنائي.

على مرّ البرلمانات المتعاقبة في ظل اتفاق الطائف، تلقّت هذه، إلى الآن، خمس رسائل وجّهها إليها رؤساء للجمهورية، لم تجب سوى عن الأخيرة.     احترمت البرلمانات تلك أصول التعامل مع كل من الرسائل تبعاً للآليتين المنصوص عليهما في المادة 53 من الدستور والمادة 145 من النظام الداخلي لمجلس النواب: تَلقّيها، فتحديد موعد لجلسة تلاوتها بعد ثلاثة أيام من تسلمها، فمناقشتها واتخاذ موقف أو قرار منها. صلاحية دستورية منوطة برئيس الجمهورية ملزمة وواجبة الحصول. لذا انتهى المطاف بها دائماً عند ما قبل اتخاذ الموقف أو القرار. لأن الجواب عن الرسالة يقع في صلاحيات مجلس النواب، يخضع بالممارسة لواقع الكتل وتوازناتها وولاءاتها. بذلك دلّت التجارب منذ السابقة الأولى على تمييز توجيه الرسالة عن اتخاذ الموقف أو القرار منها.

 

  في الرسائل الثلاث الأولى أصابت الإجراءات تلك، وتوقفت عند مناقشتها دونما اتخاذ موقف أو قرار حاسم منها. لم تحظَ بأي جواب من مجلس النواب في مثل قرار صريح وواضح كالذي اتخذه البرلمان البارحة. لم يجب عن رسالة الرئيس الياس الهراوي في 19 آذار 1998، إذ طالب بتأليف الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية بالتزامن مع إقرار قانون مدني اختياري للأحوال الشخصية شكّل ذروة نزاع بينه وبين الرئيس رفيق الحريري. لم يُجب عن رسالة الرئيس إميل لحود في 4 أيار 2005، منادياً بقانون جديد للانتخاب يحل محل القانون النافذ منذ عام 2000 في عز المواجهة على الانتخابات النيابية المقررة عامذاك على أثر اغتيال الحريري. لم يُجب عن رسالة الرئيس ميشال سليمان في 21 أيار 2014 قبل أربعة أيام فقط من انتهاء ولايته، حاضّاً البرلمان على انتخاب خلف له قبل فوات المهلة الدستورية. ذهبت الرسائل الثلاث تلك في مهب الريح كأنها لم تكن، ولم تُتلَ في المجلس، وكأن لا معنى للصلاحية الدستورية. رابعة الرسائل الرئاسية كانت للرئيس ميشال عون في 31 تموز 2017، داعياً الى تفسير المادة 95 من الدستور. وصلت الرسالة الى المجلس وحُدد موعد تلاوتها في 17 تشرين الأول، ثم سُحبت وصُرف النظر عنها نظراً الى حساسية مضمونها، الذاهب الى ما يشبه تفسيراً دستورياً ليس في أوانه. الى تلك، كان عون في صدد توجيه رسالة في كانون الأول 2018 في حمأة مأزق نجَم عن إخفاق الرئيس المكلف سعد الحريري في تأليف حكومة طوال سبعة أشهر، سرعان ما غضّ الطرف عنها. إلا أن التأليف تأخر الى الشهر التالي.     أما الرسالة الأخيرة الخامسة، الموجّهة الى مجلس النواب في 24 تشرين الثاني، فمختلفة تماماً عن تلك التي سبقتها. وقد يصح القول أن لا نظير لها حتى الآن.   في فحوى ما ترمي إليه الصلاحية هذه، المدرجة في إصلاحات اتفاق الطائف، غير المسبوقة في دستور 1926، أضيف اقتباسها من دستور الجمهورية الخامسة الفرنسية عام 1958، أن رئيس الجمهورية يوجّهها الى البرلمان لحسم خلاف بينه وبين السلطة الإجرائية التي لا يُصوّت فيها وإن يترأّسها عندما يحضر، والمقيّد بمهل ملزمة لتوقيع قراراتها. عندما يتعذر الاتفاق معها، يخاطب البرلمان كي يتدخّل ويحسم النزاع ما دامت الحكومة مسؤولة أمامه من أجل انتظام عمل المؤسسات الدستورية. للرسالة مهمة أخرى تتخذ طابعاً خاصاً أو استثنائياً يبرّر مخاطبة رئيس الدولة السلطة الاشتراعية أُمّ المؤسسات الدستورية، هو الاحتكام إليها في استحقاق خطير من شأنه تهديد وحدة البلاد، أو مجتمعها، أو التسبّب في انقسامها، أو تعطيل مؤسساتها، كي يضطلع البرلمان بدوره مع أن للرئيس مسؤولية مماثلة أوردتها المادة 49 من الدستور. المسؤولية تمسي هنا مشتركة في مواجهة استحقاق داهم مهما تكن أخطاره. ذلك ما عبّرت عنه الرسائل الرئاسية الأربع ما بين عامَي 1998 و2018.

    أما ما يجري اليوم، فغير مسبوق بالنسبة الى رئيس الجمهورية، كما إلى السلطة الاشتراعية برمّتها:

1 - ما يطلبه عون في الأصل، ثم استطراداً، تدخّل مجلس النواب من أجل التعاون مع الحكومة لتمكين الدولة من إجراء التدقيق المحاسبي الجنائي في حسابات مصرف لبنان، ومنه إلى سائر مرافق الدولة العامة. ما يعنيه حصراً -وهو مكمن السابقة - "التشكي" لدى البرلمان من حاكم مصرف لبنان رياض سلامة العاصي على تنفيذ قرارات السلطة الإجرائية في تزويد شركة التدقيق الجنائي "ألفاريز إند مارسال" بالحسابات السرية لمصرف لبنان.  

ما حدث أن موظفاً، أياً يكن، يرفض تنفيذ قرارات الحكومة، ويقوّض اتفاقاً أبرمته مع شركة تدقيق جنائي دولية، ويحجب عنها أدلّة الإهدار والهندسات المالية وخسائره الفادحة التي أفرغت خزانته وقادت البلاد الى الانهيار، الناجمة عن تواطئه مع الطبقة السياسية على مر أربعة عهود وتعويم مصارف. ناهيك بكمّ ليس قليلاً من الذين أغدق عليهم قروضاً ومساهمات شملت من بين هؤلاء من غير الكبار في الطبقة السياسية والسلطة، غير لبنانيين. ليس الرجل هو المسؤول الوحيد، إلا أنه صاحب القرار الذي قاد الى ما باتت عليه العملة الوطنية. بذلك يُسقط الشرطين الأولين لصندوق النقد الدولي والمبادرة الفرنسية، ويحول دون مباشرة الإصلاحات البنيوية انطلاقاً من معرفة مكمن إفلاس الدولة اللبنانية.  

الأدهى في ما انطوى عليه هذا "التشكي"، الإفصاح عن العجز الكامل عن مساءلة الحاكم، وإرغامه على تنفيذ قرارات السلطة الإجرائية. لكنه إقرار بأنه الأقوى في النظام.