بوضوح ودون مواربة، مدّ باسيل يد السّلام إلى إسرائيل وهو يعرف أنّ هذه الخطوة قد تؤدّي إلى ضرب أساس وحدة النّسيج اللّبناني، وتذهب بالأمور إلى أبعد من حرب داخليّة، تلك الّتي ادّعى أنّه رفض الخضوع لإرادة الأمريكيين تجنّبًا لها!
 

في الحياة مصطلحات ثابتة، تحدّد طبيعة العلاقات بين الدّول والمنظّمات وحتّى الأفراد العاملين في مجالات السّياسة والاقتصاد والشّؤون العامّة.

 

ومن البداهة القول أنّ أدنى مستويات العلاقات تحكمها المصالح الظّرفيّة أو التّكتيكيّة، وهذه المصالح الآنيّة سرعان ما تنتهي، وتنتهي معها العلاقة والاتّفاقات الّتي ارتبطت بها، ويصحّ معها المثل الانكليزي الشّهير: لا صداقات دائمة ولا عداوات دائمة!

 

 

ثمّ يأتي في المقام الثّاني العلاقات الاستراتيجيّة، وهي قابلة للتّغيّر والتّبدّل، لكنّ أمدها أطول بكثير من أمد العلاقات التّكتيّة، وعادة ما تبنى هذه العلاقات وفق رؤى واضحة، وآفاق واسعة تؤثّر على كامل المنظومة الّتي تتبناها، وتكون جزءًا من خطابها وممارستها، وتثقيف المنتمين إليها، لتصبّ في خدمة تحقيق أهدافها، وعليها تقوم العلاقات بين الأحزاب والدّول، وقد تخاض حروب كبيرة تحت ظلّ هذه العلاقات، وتنشأ اتّحادات وتعقد اتّفاقات تجاريّة واقتصاديّة طويلة الأمد.

 

 

أمّا أعمق العلاقات وأكثرها تجذّرًا، وأمتنها وأمنعها فهي العلاقات الأيديولوجيّة والعقائديّة، هذه لا تتغيّر ولا تتبدّل، لأنّها جزء مكوّن لعقل الفرد والعقل الجماعي، وعادة ما ترتبط بالأمور الدّينيّة وما يوازيها من معتقدات لا تنفصل عن طبيعة الأفراد وخلفيّاتهم وسلوكيّاتهم العامّة والخاصّة..

 

وبناء على ما تقدّم، كان لافتًا وصادمًا كلام رئيس التّيّار الوطنيّ الحرّ قبل سنتين عندما سئل عن "اسرائيل" فقال بأنّه لا يوجد خلاف ايديولوجي معها، ولها الحقّ في الأمن والوجود! يومها كان وزيرًا للخارجيّة اللّبنانيّة، ومن المفترض أنّه يجيد استخدام مصطلحاته، ويعرف تمامًا معنى كلّ عبارة وأبعادها وتأثيراتها.

 

 

تلا ذلك التّصريح موجة من الاستنكار على مواقع التّواصل الاجتماعي من قبل بيئة المقاومة، ثمّ عاد باسيل ليكرّر نفس الموقف في مقابلة على قناة CNN الأميركيّة، مؤكّدًا بذلك على تبنّيه لهذه العقيدة، وأنّها ليست زلّة لسان، وليست شيئًا مضمرًا يستحي من البوح به!

 

إقرأ أيضًا:  رئيس الجمهورية يرد على فرنجية .. كيف إلك عين تحكي؟

 

 

الأكثر إلفاتًا، ما قاله في مؤتمره الصّحفيّ يوم الأحد الفائت، عندما نجح في استثمار العقوبات لصالحه، على الأقل داخليًّا، لكنّه قال في نهايات مؤتمره، قال بأنّه يختلف أيديولوجيًّا مع حزب الله فيما يخصّ النّظرة إلى "إسرائيل". حديث باسيل كان في سياق إثبات استقلاليّته في آرائه ومواقفه، وبأنّه لا يخضع لا لأميركا ولا للحزب ومن ورائه إيران، وهذا جيّد ومطلوب، ولكن لا بدّ من الوقوف مليًّا على هذا الكلام الخطير جدًّا في ظلّ ما يرسم للمنطقة، من مخطّطات التّطبيع والتّقسيم.

 

 

بوضوح ودون مواربة، مدّ باسيل يد السّلام إلى "إسرائيل" وهو يعرف أنّ هذه الخطوة قد تؤدّي إلى ضرب أساس وحدة النّسيج اللّبناني، وتذهب بالأمور إلى أبعد من حرب داخليّة، تلك الّتي ادّعى أنّه رفض الخضوع لإرادة الأمريكيين تجنّبًا لها!

 

فما معنى أن يتّفق باسيل أيديولوجيًّا مع "إسرائيل" ويختلف أيديولوجيًّا مع حزب الله؟ أليس هذا، بالمنطق الدّبلوماسي، دليلًا على أنّ باسيل يمرّر الوقت لنضوج فكرة التّطبيع مع "إسرائيل"؟ وعليه، إذا وصل ترسيم الحدود إلى خواتيمه، هل سننتقل إلى مرحلة النّفط مقابل التّطبيع؟ وهل سيحمل باسيل لواء هذه المعادلة؟ 

 

كلّ شيء وارد، ولا شيء مستبعد، فعند الجهر بإعلان العقيدة، لا حرج في الافصاح عن التّكتيك!