كثيرون يربطون التأخير في تأليف الحكومة بنتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية، انطلاقاً من أنّ الرئيس دونالد ترامب فسخ الاتفاق النووي مع إيران، الذي سبق أن أجراه الديموقراطيون ومنهم غريمه جو بايدن. إلّا أنّ «الثنائي الشيعي»، حركة «أمل» و»حزب الله»، يريد تأليف الحكومة «الآن وليس غداً»، مؤكّداً أنّها غير مرتبطة بهوية الرئيس الأميركي، الذي أياً يكن، هو الى جانب اسرائيل، خصوصاً أنّ العقوبات على «الحزب» بدأت مع باراك اوباما الرئيس الديموقراطي والأكثر اعتدالاً.

يُجمع جميع المطلّعين على مسار تأليف الحكومة على أنّ العقدة التي تؤخّر ولادة التشكيلة الوزارية، هي محضّ داخلية، وتكمن الآن بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والرئيس المكلّف سعد الحريري حصراً، حول الحصة المسيحية، بمعزل عمّا إذا كان رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل هو وراء مطالب عون أم العكس. وتقول مصادر ضليعة في مشاورات التأليف: «بس تمشي من فوق (أي اتفاق عون والحريري) تُؤلّف الحكومة في خمس دقائق».

 

وتسأل جهات عدّة عن توقيت العقوبات التي فرضتها واشنطن على باسيل أمس، في غضون عملية تأليف الحكومة، والحديث عن مطالب وزارية لباسيل. وتعتبر أنّ هذه العقوبات سيكون لها تأثير أكيد على الملف الداخلي، ومنه التأليف، حسب تلقُّف عون وباسيل هذه الرسالة، وإذا كانا سيردّان عليها بالمرونة أو العناد.

   

أمّا العقدة التي أخّرت التأليف، بعد أن كان عمّ جوّ التفاؤل، خصوصاً في عين التينة، فهي بحسب مصادر مطّلعة، أنّه بعد اتفاق عون والحريري على توزيع معيّن للحقائب على الطوائف، ليُصار بعدها الى إسقاط الأسماء عليها، بدّل الحريري رأيه و»تخربط» كلّ التوزيع. وعلى سبيل المثال، بعد أن اتُفق على أن تكون وزارتا الدفاع والداخلية من حصّة المسيحيين عاد الحريري وطالب بأن تبقى وزارة الداخلية من حصّة الطائفة السنّية. كذلك دخل الحريري على خط تسمية بعض الوزراء المسيحيين، ما يرفضه عون. إذ إنّ جميع الأفرقاء الآخرين هم من يُسمّون «جماعتهم» في الحكومة، فيما يريد الحريري تسمية وزراء مسيحيين، ما يعتبره عون أمراً غير مقبول. إذ إنّ الحريري لم يتسلّم بعد أسماء الوزراء الشيعة من «الثنائي الشيعي» أو اسم الوزير الدرزي من رئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» وليد جبلاط، ولم يُقدّم بدوره أسماء الوزراء السنّة.

 

الى ذلك، لم يكتمل شكل الحكومة بعد على صعيد عدد الوزراء أو على صعيد توزيع الوزارات على الطوائف والأفرقاء، ولم يتمّ الدخول في الأسماء في التفصيل، إذ لم تُحسم الحقائب، بل قدّم كلّ من عون والحريري أمثلة لبعض الأسماء، وكانت هناك ملاحظات عليها من الجهتين.

 

من جهة «بيت الوسط»، ما زال الصمت غالباً حكومياً. وترفض مصادر تيار «المستقبل»، كلّ ما يُقال عن استهداف الحريري للمسيحيين وللحصة المسيحية، معتبرةً أنّها «حملة ممنهجة من فريق عون وباسيل، لحصر التمثيل المسيحي بهذا الفريق، والادّعاء أنّ «التيار الوطني» هو الذي يمثّل المسيحيين».

 

على ضفة «الثنائي الشيعي»، فإنّ صمت رئيس مجلس النواب نبيه بري، يدلّ الى امتعاض من التأخير في التأليف، فـ»الناس لا يتحمّلون بعد الآن». وبعد أن كان متفائلاً قرّر السكوت و»الصيام»، إلّا أنّه حاضر لأي مسعى تقريبي شرط أن يلمس إيجابية أولاً. كذلك، هناك تأكيد من «أمل» و»حزب الله» لتسهيل مهمة الحريري، والدليل أنّ «الرئيس المكلّف لا يشكو منّا»، حسب مصادر شيعية. وتشير الى أنّ هناك أكثريات نيابية لا يُمكن تجاهلها في عملية التأليف، ولذلك ولتسهيل الأمر على الحريري، تمّ الاتفاق على أن تسمّي الكتل أسماء وزراء غير حزبيين تقدّمها الى الحريري مع سِيَرها الذاتية، ليختار الرئيس المكلّف من بينها من يجد أنّهم الأكفأ. وتقول: «هذا موقفنا، على رغم أنّنا كحزبيين لدينا إمكانات هائلة، واختصاصيون وخريجون من أهم الجامعات، لكننا ملتزمون الإتفاق». وتؤكّد أن لا مطالب لدى «الثنائي الشيعي» عدا وزارة المال التي تمّ الاتفاق عليها، مشيرةً الى «أنّنا في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي وزّرنا فيصل كرامي من حصّتنا، ولم ننظر إذا كان سنّياً أو شيعياً، ونحن مسهّلون الآن الى أبعد الحدود». وتجزم أن «لا علاقة للانتخابات الرئاسية الأميركية بتأليف الحكومة، فبايدن لن يكون ضد اسرائيل، ولن يوقف العقوبات على «الحزب» التي بدأت مع الديموقراطيين، كذلك لا تغيير كبيراً تجاه إيران ولبنان مهما كانت نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية، بل على علاقات واشنطن مع اوروبا والصين».

   

بدورها، تؤكّد مصادر قريبة من «حزب الله»، أنّ «الحزب أكثر من يُسهّل، وبريء من التأخير في التأليف. فلا مطالب لدينا، والعرقلة ليست من جهتنا». وتؤكّد أنّ «الحزب» لا «يشدّ» مع أحد أو ضدّ أحد على خط التأليف، بل يطلب من الجميع أن «يطرّوها». وترفض اعتبار أنّ المطالبة بوزارة المال فتحت الباب أمام الآخرين للتمسّك بحقائب وزارية، مشدّدةً على أنّ وزارة المال تختلف عن بقية الوزارات، وهي مرتبطة بالميثاقية وبالتوقيع الشيعي على المراسيم. كذلك تؤكّد أن لا خلاف مع الحريري، ولا يتمسّك «الحزب» بأي حقيبة وزارية، ولا مشكلة لديه بأن تؤول وزارة الخارجية الى فريق الحريري، شرط أن يكون «الوزير موثوقاً».

 

وتجزم المصادر، أنّ «حزب الله» يريد تأليف الحكومة سريعاً»، ساخرةً من نظرية أنّ الحزب ينتظر النتائج النهائية للانتخابات الرئاسية الأميركية. وتسأل: «هل سيفرش بايدن لنا «الورد والزنبق»، وهل سيغيّر كلّ الإدارة الأميركية وسياستها؟».

 

في المحصلة، ينتظر «الثنائي الشيعي» انتهاء المشاورات حول شكل الحكومة، واتفاق عون والحريري، وتوزيع الحقائب الوزارية، لكي يُسلّم مجموعة أسماء الى الحريري، ليختار منها من يرى أنّه الأنسب.