في موازاة عملية التكليف والتأليف، لوحِظ انّ المزاج الشعبي يميل الى التركيز على مراقبة سعر صرف الدولار في السوق السوداء. وقد سجّلت العملة الخضراء تراجعاً بنسبة قاربت الـ20 %، وانتعشت الآمال في إمكان حصول تراجع إضافي يخفّف من الضغط المعيشي الذي يشعر به المواطن في كل مفاصل حياته اليومية.

تعود الأنظار في هذه الفترة لِتَشخُص ناحية الدولار بهدف تَتبُّع خط سَيره في الاسبوع الجاري، وفي الاسابيع المقبلة، بالتماهي مع الاجواء التشاؤمية على مسار تأليف الحكومة، والتي حَلّت ظرفياً ربما، مكان مناخ التفاؤل بتأليف سريع، كما كان سائداً في الايام الاولى على التكليف.

 

في موازاة هذه النكسة وتراجُع منسوب الآمال المعلّقة على ولادة سريعة لحكومة قادرة على تنفيذ الورقة الفرنسية لتمهيد الأرض لاحقاً أمام الانطلاق بمشروع إنقاذي شامل، برزت مؤشرات أخرى لا تدعو الى الارتياح، منها:

   

أولاً - المشكلة التي ظهرت في الداخل الفرنسي، والتي من شأنها أن تُلهي الفرنسيين عن المتابعة اللصيقة للوضع اللبناني، كما كان يُفترض أن يحصل.

 

ثانياً - الاتجاه الذي أخذه ملف التدقيق الجنائي في مصرف لبنان، حيث تبيّن انّ المنظومة السياسية لا تزال تتّبع نهج إلقاء التهم على أطراف أخرى. تعقد الاتفاقات المدفوعة بالعملة الصعبة مع شركات أجنبية، ولا تُكَلّف نفسها عناء دراسة هذه العقود لئلّا تنتهي الى لا شيء.

 

ثالثاً - بروز نتائج وأرقام مالية واقتصادية مُرعبة، من أهمها تقرير صندوق النقد الدولي حول تقديراته لحجم الناتج المحلي (GDP) في نهاية العام 2020، والذي قدّر بأنه سيكون أكثر بقليل من 18 مليار دولار. هذا الرقم يبدو مستغرباً بعض الشيء، ويحتاج الى تدقيق اضافي، خصوصاً انّ التقرير تحدثَ عن انكماش الاقتصاد بنسبة 25 %، وهذه النسبة لا توصِل الناتج المحلي الى 18 مليار دولار، من حوالى 52 مليار حجم الناتج في نهاية 2019. وتنبغي الاشارة هنا الى أنّ تقديرات الصندوق لا تصيب دائماً، وهي تعاني احياناً تأخيراً ينعكس تفاوتاً في التقديرات. بمعنى، انّ الصندوق عندما يُصدر تقريره في زمن محدّد، غالباً ما يكون قد جَمعَ المعطيات في وقت سابق، بحيث تسبقه التطورات، خصوصاً في دول غير مستقرة، كما هي الحال في لبنان. على سبيل المثال، تَوَقّع تقرير الصندوق، الذي صدر في تشرين الاول 2019 (شهر اندلاع الثورة في لبنان)، ان يرتفع الناتج المحلي الى 60,5 مليار دولار في 2020!

 

رابعاً - ما عُرف بالقيود على سحب الليرة، وهو القرار الذي ساهم في بروز أزمات، من ضمنها أزمة القطاع الصحي، لن يتم التراجع عنه بسهولة، وهو قد لا يكون مجرد إجراء مؤقت بالمعنى الذي فهمه البعض، أي انه قد يستمر الى حين بدء خطة الانقاذ، والتي يبدو انها قد تطول أكثر من اللزوم، بفضل «صمود» المشهد السياسي على ما هو عليه من فساد ومماحكات وصراعات سخيفة، وقلة ضمير...

 

هل تعني هذه المؤشرات انّ الاسبوع الطالع، واذا ما تَأكّد تَعثّر ولادة الحكومة، سيشهد ارتفاعاً للدولار؟

   

هذا الأمر وارد بقوة، لكنه لا يشكّل أزمة في حدّ ذاته رغم أضراره الجسيمة، بقدر ما يُعتبر مؤشّراً الى ما ينتظر الناس في المرحلة المقبلة. وسيكون الصراع على أشدّه في كيفية إنفاق ما تبقى من ودائع في مصرف لبنان، هذا اذا تبيّن فعلاً انّ الاحتياطي الالزامي (حوالى 17 مليار دولار) متوفّر فعلاً، وإلّا قد تتجه الانظار النَهِمَة نحو الذهب.

 

في مطلع ايلول الماضي، توصلت الحكومة الارجنتينية الى اتفاق مع دائنيها، في صفقة اعتبرت ناجحة ويمكن أن تشكّل منصة لبداية جديدة للارجنتينيين. شملت الصفقة إعادة جدولة دين بقيمة 65 مليار دولار. وتضمّن الاتفاق خطوات تعهّدت أن تقوم بها الارجنتين لضمان استعادة الثقة، والعودة الى الاسواق العالمية، وتحرير سعر صرف عملتها (بيزو) للقضاء على ظاهرة السوق السوداء...

 

اليوم، وبعد مرور حوالى الشهرين على الاتفاق، بدأ يتّضِح انّ الامور لا تسير كما هو مُخطّط لها. وقد اضطرّ الدائنون الى إصدار بيان تحذيري حيال ما يجري. وقد تبيّن أنّ السوق السوداء ظلت قائمة، وبدلاً من أن تضمحل أصبحت الملاذ الذي يلجأ اليه الارجنتينيون للحصول على الدولار. وقد أدّى ذلك الى ارتفاع سعر العملة الأميركية في هذه السوق الى حوالى 190 بيزو، في حين انّ السعر الرسمي يُقارب الـ79 بيزو للدولار الواحد. كذلك شهدت سوق السندات الثانوية انخفاضاً ذي دلالات، اذ تراجع سعر سند اليوروبوندز استحقاق 2030 من 50 سنتاً لدى توقيع تسوية جدولة الدين الى 38 سنتاً حالياً، كما تراجع سند استحقاق 2035 الى 34 سنتاً. ويستنتج الدائنون انّ الوضع غير مُطمئن، إذ تستمر خسائرهم في الارتفاع، ومنسوب الثقة بنجاح الانقاذ يتضاءَل بسبب ما سَمّوه المناخ السياسي غير السليم الذي عاد الى الارجنتين بعد توقيع التسوية. أمّا في الشارع الارجنتيني، فإنّ العبارة السائدة اليوم هي أنّ «la grieta» عادت، وهو مصطلح شعبي مُقتبس من عبارة في اللغة الاسبانية، يستخدمه الارجنتينيون للاشارة الى الانقسامات السياسية التي تقف وراء الأزمة الاقتصادية في البلد. وكان «زعماء» السياسة في الارجنتين قد تعهّدوا بِوَقف خلافاتهم، ومنع الانقسام، وتحقيق نوع من الوحدة الوطنية لتسهيل الانقاذ. لكن، وبعد توقيع التسوية مع الدائنين، عاد هؤلاء الى نهجهم السابق. هذه العودة دفعت الارجنتينيين حالياً الى مزيد من الاحباط، وبات السؤال المطروح في الشارع اليوم يتمحور حول نقطتين: كم بلغ سعر الدولار في السوق السوداء؟ وهل من أمل في المستقبل في هذا البلد؟

   

في لبنان، من البديهي أن يسأل المواطن كم سيبلغ سعر الدولار مع عودة «la grieta» اللبنانية، والتي حاولت المنظومة السياسية أن تُقنع الناس، قبل فترة، بأنها أقلعت عنها الى غير رجعة.