تكاد استشارات التكليف اليوم أن تكون من الاستشارات النادرة التي تُجرى من دون أن يسبقها اتفاق كامل او شبه كامل على مرشّح وحيد لرئاسة الحكومة، فغالباً ما كان يسبق كل الاستشارات السابقة اتفاق مُسبق على مرشح، فتُجرى الاستشارت شَكلية، ويسمّى لرئاسة الحكومة، فينطلق الى استشاراته لتأليف حكومته. ويَندر لمرشح مُجمع عليه ان يعتذر عن التأليف مثلما حصل أخيراً مع السفير مصطفى أديب، وتاريخيّاً مع المرحوم أمين الحافظ. الدافع الى هذا التوصيف، في ظل استشارات اليوم، هو انّ الرئيس سعد الحريري هو المرشح الوحيد لرئاسة الحكومة، وقد استبقها قبل أقل من اسبوعين بإعلان ترشيحه، معتبراً انّه «طبيعي وحتمي»، ومعلناً مجموعة من الشروط (التي تحفّظ عنها البعض واعترض البعض الآخر) واثقاً من فوزه المؤكد بهذا الترشيح.

 

لكن المفارقة في استشارات التكليف اليوم انها تحصل في ظل عدم تأييد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون شخصياً لترشيح الحريري، رامياً الكرة في ملعب الكتل النيابية التي دعاها الى تحمّل المسؤولية في تكليفها المنتظر للحريري، ومن ثم في تأليف الحكومة كنتاج لهذا التكليف.

   

فقد سأل في رسالته الى اللبنانيين أمس: «هل سيلتزم من يقع عليه وزر التكليف والتأليف بمعالجة مكامن الفساد وإطلاق ورشة الاصلاح؟» ثم ألقى المسؤولية على النواب، متوجّهاً اليهم بالقول: «هذه مسؤوليتكم أيها النواب، فأنتم المسؤولون عن الرقابة والمحاسبة البرلمانية باسم الشعب الذي تمثّلون، وأنتم اليوم مدعوون باسم المصلحة اللبنانية العليا لتحكيم ضميركم الوطني وحِس المسؤولية لديكم تجاه شعبكم ووطنكم».

 

فما قاله رئيس الجمهورية، بحسب قطب سياسي، هو تعبير عن «نأي بالنفس» رئاسي عن الشخص الذي سيكلّف، يؤكده تشكيكه في مدى التزام «مَن يقع عليه وزر التكليف والتأليف معالجة الفساد وإطلاق ورشة الاصلاح؟»، ليؤكد مداورة عدم ثقته في انّ الحريري، الذي سيكلّف اليوم بتأييد ما دون الـ 60 صوتاً، في انه سينجح في المهمة التي تنتظره. ولذلك، قال عون كلمته في التكليف ومشى، مُلقياً التبعة على الآخرين، ومؤكداً أنه لم يمشِ من سُدة الرئاسة خلافاً لِما رَوّجه البعض في الايام الاخيرة عن احتمال استقالته.

 

على انّ البعض يعتبر انّ عدم تأييد عون للحريري يتعارَض مع مبدأ «الأقوى والأكثر تمثيلاً» في بيئته وطائفته، او فريقه السياسي الذي سارت عليه القوى السياسية منذ بداية عهده الذي انطلق تحت شعار «الرئيس القوي». فهذا المبدأ او الشعار، يقول بـ«أحقية» أن يخوض الاستحقاقات الدستورية وغير الدستورية من هو الاقوى في بيئته او حزبه. والبعض يُسقِط هذا الشعار اليوم على ترشيح الحريري لرئاسة الحكومة، بغضّ النظر عمّا اذا كان الرجل سينجح في المهمة التي يرشح نفسه لها ام لا. ولذلك، يلوم البعض رئيس الجمهورية وغيره من المعترضين على تسمية الحريري، كونه الاكثر تمثيلاً في بيئته باعتراف كثيرين، ولكن يبدو انّ هذا المبدأ، وبعد كل المراحل والتجارب التي خيضَت فيها، بات يحتاج الى إعادة نظر فيه واعتماده وفق اعتبارات ومعطيات جديدة بما يؤمّن معالجة الاستحقاقات وأيّ شأن وطني بسهولة ويُسر.

 

وفي رأي فريق من السياسيين انّ الحريري رشّح نفسه على اساس انه يعتبر نفسه «الأقوى» في طائفته، وانّ الآخرين من مؤيدين او حتى معارضين يتعاطون معه على هذا الاساس. لكن اذا كان البعض يعترض او يتحفّظ عن موقف عون من ترشيح الحريري وخروجه على مبدأ «الاقوى في طائفته»، فإنّ هذا البعض يعترض ايضاً على ترشيح الحريري، وينتقد ما يطرحه من شروط لتأليف الحكومة الذي يفترض ان يتمّ توافقياً بينه وبين الكتل النيابية والسياسية التي سيستشيرها في إعداد تشكيلته الوزارية.

   

ويقول هؤلاء السياسيون انّ عون لم يلجأ مجدداً الى تأجيل الاستشارات، على رغم من انّ الاسباب التي دفعته الى التأجيل السابق ما تزال قائمة، وهي انعدام التوافق على ترشيح الحريري او غيره، لكنه لم يلجأ الى تأجيل جديد لئلّا يظهر في موقف المُعطّل للاستحقاق الحكومي، ولأنه لا يريد ان تُصاب المبادرة الفرنسية بنكسة جديدة، خصوصاً انّ الجميع يؤيدونها ويرون فيها «فرصة حقيقية للانقاذ»، على رغم بعض بنودها الضئيلة التي يتحفظ عنها او يعارضها هذا الفريق السياسي او ذاك.

 

لكن في المقابل، فإنّ الحريري الذي أعلن ترشيحه ملتزماً المبادرة الفرنسية كما أعلن ويعلن، فإنه، بحسب تأكيد قطب سياسي بارز، أحرَجَ الفرنسيين بخروجه عن هذه المبادرة إثر مناداته بحكومة «الاختصاصيين المستقلين». فيما هو يدرك انّ المبادرة الفرنسية تقول بحكومة اختصاصيين تدعمها القوى السياسية. ولذلك، فإنّ الجانب الفرنسي يشعر بالاحراج في هذه النقطة بالذات إزاء ترشيح الحريري، لأنّ حكومة الاختصاصيين المستقلين يُراد منها ملاقاة الجانب الاميركي الذي يدفَع في اتجاه إبعاد «حزب الله» وحلفائه عن التمثيل في هذه الحكومة «المستقلّة عن السياسيين».

 

ولذلك، يرى هذا القطب، انّ التكليف الذي يَعبُر ضعيفاً اليوم، سَيَليه تأليف سيَطول الجَدل والنقاش فيه، اذ لا أحد يتوقع ان يتمكن الرئيس المكلف من استيلاد حكومة في وقت قريب، خصوصاً إذا ظل متمسكاً بحكومة «الاختصاصيين المستقلين». فهذه الحكومة تُعَدّ خروجاً على روحية اتفاق الطائف ونصّه التي تفرض ان تكون الحكومة حكومة وفاق وطني، سواء كانت من الاختصاصيين او التكنوسياسيين، علماً أنه ستُرافق استشارات التأليف خلافات على البيان الوزاري للحكومة العتيدة، والذي سيكون موضوع التعاون مع صندوق النقد الدولي وبرنامجه في شأن لبنان، العقدة الرئيسية فيه.