اليوم يكون الرئيس سعد الحريري رئيسا مكلفاً، وتنتقل البلد الى مرحلة البحث في التأليف التي من شبه المؤكد أنها ستكون أكثر صعوبة وتعقيداً من التكليف. فالطرف الوحيد الذي لا يريد فعلاً أن يكون الحريري رئيسا مكلفاً هو "التيار الوطني الحر" والذي بدا خاسراً أولا؛ أما القوى الأخرى فجميعها يريد الحريري رئيسا، سواء من تولى تسميته أم من عزف عن ذلك.

 

"حزب الله" يريد الشيخ سعد رئيسا وهو رفض استقالته عندما كان رئيسا للحكومة، ثم حاول اقناعه بالعودة الى الرئاسة ثم انتقل الى محاولة اقناعه كي يسمي من يتولى رئاسة الحكومة، ثم تبنى السفير مصطفى أديب مرشحا مفضلا من قبل الحريري من لائحة تضمنت ثلاثة أسماء، وعندما آل الامر ليتقدم الحريري كمرشح طبيعي لتولي الرئاسة، رحب الثنائي الشيعي بهذه الخطوة فذهبت حركة "امل" لتبنيه علنا في حين ان "حزب الله" اجل حسم موقفه الى عشية ليلة الاستشارات، لكن حتى لو أن كتلة "الوفاء للمقاومة" لم تسم الحريري، فهي تريده رئيسا.

 

 

"القوات اللبنانية" بدورها أعلنت أنها لن تسمي احداً الا أنها اعترضت على الاعتراض الميثاقي لـ"التيار الوطني الحر"، الامر الذي يبدو وكأنه ازالة عقدة امام وصول الحريري الى الرئاسة، رغم حالة الخصام المستحكم بينهما سياسياً، علماً ان ثمة من يتوقع أن كتلة "الجمهورية القوية" قد تذهب الى منح الثقة للحكومة بعدما تتألف.

 

 

إذا في مرحلة التأليف، هناك عقدتان بارزتان:

العقدة الشيعية التي ترتبط بوزارة المال وتسمية الوزراء الشيعة والموقف من برنامج صندوق النقد الدولي، وهي أمور وإن شهدت نقاشا ما في كواليس مشاورات التكليف، بيد أنه لم يحسم اي منها، علما أنه من الأرجح أن يجد الطرفان مخارج مرضية لكلا الطرفين، بعيداً عن الإحراجات ومن دون تجاوز القواعد العامة التي يتمسك بها الرئيس الحريري.

 

 

العقدة الثانية تتصل بـ"التيار الوطني الحر" وهي عقدة كأداء، أكد المؤتمر الصحافي الذي عقده أمس رئيس الجمهورية العماد ميشال عون المنحى التشاؤمي الذي يحكمها، وليس من الصعب على المراقبين التنبه إلى خطاب الرئيس عون فهو رسم خارطة طريق للعلاقة مع الرئيس المكلف دستوريا وسياسيا، لا سيما بعدما خرجت لعبة التكليف من تأثيره ، الامر الذي قد يمهد لاشتباك سياسي حاد في مرحلة التأليف، وفق قاعدة خلط الاوراق. فرئيس الجمهورية الذي رفض الاجابة عن بعض اسئلة الصحافيين امس، ذهب بعيداً عندما حاول "قلب الموازين" وتنصيب العهد في خانة المعارضة، عطفا على تقصده وضع النواب أمام مسؤولياتهم في عملية التكليف والتأليف، ليبقى الاهم ان خطاب الرئيس عون امس اعترف ضمنياً بالازمة العميقة التي تواجه موقع الرئاسة والتيار البرتقالي، تقول مصادر سياسية بارزة لـ"لبنان24".

 

وعليه فإن المشهد المتعلق بالعقدة الباسيلية لن يكون سهلاً. فالحريري سيكون مجبرا على التفاهم مع رئيس الجمهورية بوصفه رئيسا للبلاد لكنه ليس في وارد التفاهم مع النائب جبران باسيل. لذلك من المرجح ان يصطدم التأليف بعقدة تسمية المقاعد المسيحية، علما أن الحريري خطّ لنفسه موقعا يختلف فيه عن موقعه في التجارب السابقة وهو ينوي ان يمارس دوره كاملاً في رمي التشكيلة على طاولة رئيس الجمهورية الذي سيكون محرجاً في الموافقة عليها، وبالتالي توقيع مرسوم التأليف او في رفضها، وفي حالة رفضها سيعمل على تحميله المسؤولية أمام القوى الدولية التي تنتظر تشكيل الحكومة، مع الاشارة الى ان مصادر متابعة لفتت لـ"لبنان24" الى ان اتصال وزير الخارجية الاميركي مايك بومبيو بالرئيس عون اول من امس حمل رسالة مفادها ضرورة العمل على تسهيل التكليف والتأليف لحكومة تلتزم ‏تطبيق الاصلاحات.

 

 

وسط ما تقدم، الأكيد والثابت أن البلد سيواجه مشكلة عويصة تتصل باتصالات التأليف و ليس من المرجح ايجاد الحلول السريعة لها، الامر الذي سيبعد التأليف الى مرحلة ما بعد الانتخابات الرئاسية الاميركية، لا سيما وان نتائجها في حال كانت لصالح الديمقراطيين فإنها سوف تريح الرئيس الحريري و"حزب الله" في آن معاً.