على ماذا تنتظم علاقات المجتمع الإسلامي؟ على أحكام القرآن أم على أحكام السّنة، فقد ذهب بعض الفقهاء وعلى رأسهم الدارمي بأنّ السّنة قاضية على القرآن، وليس القرآن بقاضٍ على السّنة.
 

كلما وقع عملٌ إرهابيٌّ في أنحاء المعمورة على يد مُسلم، تُسفكُ فيه دماءٌ بريئة، يرافقه فوراً فتح ملفّات العنف المختزن في الإسلام، ومن الأمور الأشدّ غرابةً، أنّ بعض هؤلاء "الإسلامويّين" الذين يُنفّذون الجرائم الإرهابية هم ممّن احتضنهم الغرب، وآواهم من جوعٍ وآمنهم من خوف (حسب التعبير القرآني)، حتى كانت آخر فضائع "الإرهاب الإسلاميوي" ذبح أستاذ مادة التاريخ الفرنسي على يد أحد طلابه، الذي كان قد لجأ إلى فرنسا مع عائلته( وهو بعدُ طفلٌ صغير) هرباً من بطش الرئيس بوتين قبل أكثر من عقدين من الزمن، عندما حاولت بلده الشيشان الإستقلال عن روسيا، أسوةً بغيرها من الجمهوريات التي نالت استقلالها بعد تفكّك الإتحاد السوفيتي، وآخر موجة إرهابية جاءت من المغرب، فقد دعت جريدة " السبيل" السلفية (والتي تصدرها جمعية الدعوة إلى القرآن والسُّنّة بمرّاكش) إلى قتل بعض رجالات التنوير في المغرب، ذائعةً أسماء أربعةٍ منهم مع صورهم وهم: أحمد عصيد  ومحمد المسيح، وسعيد ناشد ورشيد إيلال، ولم يسمع أحدٌ بعد ذلك عن ملاحقة ناشري الجريدة بتهمة الدعوة للقتل، وهذا يفتح كما قلنا ملفّ العنف "الإسلامي" على مصراعيه، وخاصةً ما يتعلق بموقف الإسلام "التاريخي" من القتل، القتلُ الذي فشا في تاريخ الإسلام المُبكّر حتى يومنا هذا، تاريخٌ كتبهُ مسلمون أقحاح، لا شكّ ولا ريب في حُسن إسلامهم، وقد شارك العشرة المُبشّرون بالجنّة دون غيرهم في بعض أحداثه، وذلك كان جرياً أميناً على السُّنة النبوية، فعندما حاصر النبي محمد صلى الله عليه وسلم مكّة عام ٨هج/٦٢٩م/ قاطعاً هدنة العشر سنوات، ظهر للجميع بمظهر قائد حربي وفاتح حقيقي، وهذا ما قاله أبو سفيان للعباس بن عبدالمطلب( عمّ النبي) : لقد أصبح مُلك ابن أخيك الغداة عظيماً، فدانت له مكّة دون قتال، وسرعان ما اصطدم بما يقرب من عشرين ألف رجُلٍ من قبيلة هوازن، ليهزمهم ويستولي على غنائم عظيمة، سيجري توزيعها وفقاً لحساباتٍ سياسية ترمي إلى تعزيز الولاء لدى زعماء قريش،( الذين عُرفوا بالمُؤلّفة قلوبهم)، وغنيٌّ عن القول في هذه العُجالة، أنّ الدولة الإسلامية الوليدة ستتّجه بعزمٍ وتفانٍ وجهة " الفتح" خارج حدود الجزيرة العربية لتأمين الموارد والمغانم، حتى غدا الفتح ملازماً جوهريّاً لوجودها، وليس عرَضاً بالنسبة إليها. هكذا جرى كما يقول الباحث التونسي هشام جعيط السّير حثيثاً نحو الأهداف النبوية، ببناء دولة مُحاربة، دولة تمتشق السيف من بدر إلى حُنين إلى تبوك، إلى الإستيلاءات المتتابعة على الواحات اليهودية، وقد ترافق ذلك مع نقل عادات وتقاليد العالم البدوي، مع وسائل كبرى وطموحات منتظمة، إلى البيئة المُتحضّرة ، وإخضاع هذه المسيرة الحربية المتواصلة للتّعالي الإلهي.

 

إقرأ أيضا : عامٌ مضى على الإنتفاضة الشعبية والطبقة السياسية الفاسدة مُتضامنة.

 

بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وانتقلت الخلافة إلى أبي بكر الصديق( الخلافة التي قامت على الغلبة وسفك الدماء كما قال الشيخ علي عبدالرازق مطلع القرن العشرين)، ارتدّت معظم القبائل العربية رافضةً دفع الزكاة، فقام أبو بكر الصديق بقمعها بشدّة وقسوة لا متناهية، وكانت الغنائم المجمّعة كبيرة، وعرف كثيرٌ من النسوة العبودية والرّق، وجرى اقتيادهُنّ إلى الأسر، بينما قُتل الرجال الذين أُخذوا وهم يحملون السلاح، لذا سيُعلن الخليفة عمر بن الخطاب،  في أثناء خلافته، أنّه لا يحسُن بالعرب أن يسترقّ بعضهم البعض، وسيُطلق الأسرى مقابل فدية، إلاّ أنّ المثال الأكثر عُنفاً وقساوة، وفيه خروجاً على أحكام الإسلام وأعراف العرب، كان عندما أقدم أحد مشاهير قادة المسلمين- خالد بن الوليد- على قتل من قتَلَ في الغميط، رغم أنّ أولئك القوم كانوا قد استسلموا له، فوضعوا سلاحهم ونزلوا عند حُكمه، ظنّاً منهم أنّ المسلم لا يقتل من استسلم إليه، وقام خالدٌ بعد قتل سيد القوم مالك بن نويرة، باصطفاء زوجته، لذلك عندما قدم خالد بن الوليد إلى المدينة، طالب البعض بإقامة الحدّ عليه، ومن بينهم الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فكان ردّ أبي بكر: لن أُغمد سيفاً سلّه الله، وكان النبي محمد قد أطلق على خالد بن الوليد لقب سيف الله المسلول، متناسين جميعاً أنّ سيف خالدٍ كان مسلولاً في معركة أُحُد ضد النبي والمهاجرين والأنصار. وكان الإسلام ما زال غضّاً عندما قتل الخليفة الأموي يزيد بن معاوية بن أبى سفيان الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، مع صحبه أجمعين،  وسُبيت النساء والأطفال وحُملنَ على أحقاب الإبل من العراق إلى الشام، وفي تلك الحقبة المبكرة من تاريخ الإسلام أقدم أحد أمراء المؤمنين على قصف الكعبة بالمنجنيق- مدفعية ذلك العصر- غير آبهٍ بمن كانوا يتمسّكون بأهدابها من إخوانه المسلمين، وكان الإسلام في عزّ صولته وبطشه، عندما حلف قائدٌ مسلم آخر- يزيد بن المهلّب- أن يطحن بدماء أهل جرجان، ويختبز من ذلك الطّحن ويأكل منه، ورغم أنّ القوم نزلوا على حكم يزيد،  فقد حكم القائد المُظفّر بقتل الرجال وسبي الذراري والنساء، وأجرى الماء في الوادي على الدّم وعليه أرحاءٌ ليطحن بدمائهم، فطحن واختبز وأكل.

 

منذ ذلك الحين وحتى اليوم وقع الإسلام في غواية السياسة وشركها،  وظلّ القتل عنصراً اساسيّاً من عناصر المشروع الإسلامي التوسّعي، وساهم الاسلامويون الجدد في تجديد مشاريع القتل والتّنكيل، سعياً كما يقولون لإحياء السُّنة والعمل بهديها، فكما كان خالد بن الوليد تلميذاً نجيباً لأستاذٍ جليل، فقد حفظ لنا التاريخ أنّ هناك من قتل شاعراً ( أبو عفك) لمجرد نظمه قصيدة في معارضة أحكام النبي، واغتيلت شاعرة في فراشها، العصماء،  لأنها نظمت بيتين في هجاء الرسول.، وكان سعد بن معاذ قد نطق بحكم الله من فوق "سبع أرقعة" حين حكم بقتل بني قريظة جميعاً، وسبي النساء والذراري، خاصةً أنّ ذلك لم يكن صادراً عن أمرٍ إلهي، وهذا ما أثار جدلاً فقهياً آخر: على ماذا تنتظم علاقات المجتمع الإسلامي؟ على أحكام القرآن أم على أحكام السّنة، فقد ذهب بعض الفقهاء وعلى رأسهم " الدارمي" بأنّ السّنة قاضية على القرآن، وليس القرآن بقاضٍ على السّنة. وهذا غيضٌ من فيض.