تعالوا نتأمل بجملة قالها البابا : على الأخوّة التي تنبعث من الوعي بأننا بشريّة واحدة أن تدخل في حياة الشعوب والجماعات وبين الحكام وفي اللقاءات الدوليّة. هكذا فقط سيختمر الوعي بأننا نخلُص معًا فقط.
 

 في السابع والعشرين من تشرين أول 1986، وإيمانا منه بضرورة إرساء ثقافة الحوار بين مختلف الأديان، احتفل البابا القديس يوحنا بولس الثاني بصلاة مشتركة في أسيزي، شارك فيها حوالي 120 ممثلا لديانات مختلفة. إنها محاولة رائعة للبحث عن أرضية مشتركة لبناء حضارة المحبة.

في كل عام يتم الاحتفال بهذه الذكرى لتجديد معانيها ونشر مفاهيم الأخوة والشراكة بين البشر.

 

هذا العام أيضا، اليوم، في 20 تشرين أول 2020، وبتنظيم من جمعية سانت إيجيديو، دُعي الجميع، من كل الأديان إلى المشاركة بلقاء الصلاة لهذه السنة الذي يترأسه البابا فرنسيس تحت عنوان “لا أحد يخلُص لوحده – سلام وأخوّة." وما يعطي أهمية جديدة لهذا اللقاء هو رسالة قداسة البابا التي صدرت منذ أيام: "كلنا أخوة". لكنه هذا العام لقاء على وسائل التواصل الاجتماعي بسبب كوفيد19.

 

وكم يحتاج عالمنا المتألم من كوفيد 19، إلى ذكر السلام ونشر الرجاء. كم تحتاج الإنسانية إلى الشفاء وإلى النور. كم يحتاج زمننا إلى الصلاة، إلى الصلاة المشتركة التي تخرج الانسان من أنانيته وتفتح قلبه وفكره على أفكار الآخرين وحاجاتهم ليكتشف حقيقة الأخوة، حقيقة الله الواحد الخالق، أب جميع أبنائه البشر، الأخوة بالخلق والإنسانية والحياة والممات.

ولكن...

بعد 34 عاما على لقاء أسيزي، ما زال العالم يعاني من الحروب الدينية ومن الاضطهادات، لا بل مع الأسف تجد أن هذه الحروب تزداد ورفض الآخر ينتشر بأبشع المظاهر.

 

لماذا؟

تعالوا لأخبركم لماذا.

في العام 1986، وبعد مرور سنتين على تواجدي في روما كطالب لاهوت، طلب مني من قبل جمعية سانت إيجيديو أن أشارك في لقاء الصلاة الجامعة الأول في أسيزي كمساعد في استقبال الجماعات العربية المدعوة إلى هذا اللقاء كمرشد ومترجم.

أذكر فيما أذكر، فيما كنا نستمع إلى صلاة البابا يومها، فإذا بأحد الأشخاص راح يصرخ بأعلى صوته: "أيها البابا، لقد جٌننت!" لا يجوز أن تصلي مع باقي الأديان"، ويوزع مناشيرا ضد اللقاء.

 

 ومن هنا وهناك تتالت بعض الأصوات المعارضة للقاء. حالا تقدم رجال الشرطة وسحبوه من وسط الجموع وأخذوه.

اعتبر البعض أن ذاك الشخص أهبلا. لكني لم أعتبره كذلك، إنما اعتبرته متعصبا متشددا، يعتبر أنه الوحيد بفكره ودينه على حق، بينما بافي البشر خطأة وإلى جهنم ذاهبون.

لماذا لم تتحسن أوضاع العالم؟. لماذا تتسع رقعة الحروب؟

 لأن أمثال هذا الشخص ازدادوا. وهل ازدادوا من باب الولادة؟ طبعا لا، إنما من باب التربية المتشددة التي ما زال عدد من المتدينين من كل الأديان يسير في مسارها ظنا منه أنه نور وغيره ظلام! والأخطر أن بعض هؤلاء هم في مراكز المسؤولية، ينتقدون المنفتحين والراغبين بالأخوة ويتهمون إياهم بالضلال! هؤلاء هم صانعو الإرهاب والنزاعات الدينية.

 

في الوقت الذي يعطي فيه البابا والمشاركون في لقاء الصلاة المشتركة مثالا في الأخوة رغم الاختلافات، ومثالا في الاتحاد من أجل مواجهة المخاطر والأوبئة والأحقاد والمظالم، ما زال البعض يؤمنون بأنفسهم فقط: هم المخلصون وهم الفاهمون وهم الحق. يشنون الحرب على الانفتاح والمنفتحين، يسكتون أصوات من هم تحت سلطانهم ويذلونهم بسبب مشاركتهم وانفتاحهم، ويتكلمون بالسوء على من لا سلطة لهم عليهم.

نعم أيها السادة، لهذا ما زالت الخلافات الدينية والحروب والاضطهادات منتشرة في العالم. لهذا ما زال السيد المسيح يعاني على الصليب من الفريسين ورؤساء الكهنة.

ختاما، تعالوا نتأمل بجملة قالها البابا في هذا اللقاء: "على الأخوّة التي تنبعث من الوعي بأننا بشريّة واحدة أن تدخل في حياة الشعوب والجماعات وبين الحكام وفي اللقاءات الدوليّة. هكذا فقط سيختمر الوعي بأننا نخلُص معًا فقط".

الأب عبدو رعد