كتبت هيام القصيفي في "الأخبار": قد يكون وزير الخارجية الاميركي، مايك بومبيو، ذكّر رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والسلطة السياسية، في اتصاله الهاتفي لتقديم بلاده مساعدة لإعمار ما تهدم في بيروت، بأن انفجاراً هائلاً وقع في المرفأ في الرابع من آب الماضي، وحصد مئات الضحابا والمصابين وهدم مئات المؤسسات وآلاف المنازل على أبواب الشتاء. ففيما لا تزال وسائل إعلام غربية تحرص على الاستمرار في نشر تحقيقات لتظهير المآسي الناجمة عن الانفجار، أغلقت السلطة ملفه بكل دم بارد، تماماً كما طوت مرحلة انتفاضة اللبنانيين عليها، الذين ظهروا في الذكرى الاولى لانتفاضتهم كأنهم استسلموا لقدرهم من انهيار اقتصادي واجتماعي، وعادت لتتعامل مع تأليف الحكومة وفق سيناريو دائم قائم على تقاسم الحصص، في موازاة تخبط القوى السياسية إزاء حساسية المرحلة.

 

 

فعشية الاستشارات النيابية، تتصرف القوى السياسية كأنها غير مدركة تماماً ماذا يجري إقليمياً ودولياً من محاولات ترتيب لقاءات وتفاهمات وحوارات على مستوى رفيع، والى أين قد تذهب اتجاهات المنطقة التي تنعكس حكماً على لبنان. لذلك، فإن أقصى ما يمكن أن تقوم به لا يعدو كونه لعباً في الوقت الضائع في انتظار بلورة هذه الاتجاهات. والخطورة أن هذه القوى تظهر متواطئة الى الحد الأقصى على تطبيع الوضع الراهن، والقفز بسرعة فائقة فوق الجرائم والانفجارات والانهيار المالي، من دون أي معالجة جدية، أو الأخذ في الاعتبار انتقال اللبنانيين من كارثة الى أخرى. وهذا التواطؤ يجعلها تتصرف على قاعدة أن الوضع المالي والاقتصادي والاجتماعي وحتى الأمني طبيعي، لأن الهدف أولاً وآخراً تمرير السنة ما قبل الأخيرة من عمر العهد، بإرساء قواعد ثابتة تسهم في الاستعداد لعام الانتخابات الثلاثية، أي الانتخابات البلدية والنيابية والرئاسية، في سنة واحدة. وهذه الاستحقاقات مفصلية بكل ما يمكن أن تحمله من رهانات مسبقة بدأت القوى السياسية تستعد لها. والعادة جرت أن تُرسم قواعد كل واحد من هذه الاستحقاقات مسبقاً، فكيف الحال إذا اجتمعت كلها، والمرحلة الراهنة تحمل كل هذه الحساسيات المرجّحة للتطور وفق المعايير الحالية. لذا، يحاول الجميع الانضواء تحت سقف التأقلم مع المتغيرات الظرفية، فلا تتخطى رهاناتهم أكثر من تحصين وضعيتهم في تحصيل مقاعد وزارية وازنة، وتمرير صفقات داخلية تسهم في تمويل بيوت المال الكثيرة، علماً بأن الانهيار المالي لا يبدو مزعجاً لبعض هذه القوى التي تستفيد من انهيار العملة اللبنانية، لتجميع قواعد شعبية جديدة. وهناك محاولات جدية من قيادات حزبية لشراء مفاتيح أساسية في مناطق شعبية بأسعار زهيدة بالليرة اللبنانية، مستغلة حالات الفقر المتزايدة.


 
 

هذا التطبيع الداخلي ينعكس على المشهد الحكومي، فيذهب الرئيس سعد الحريري الى التكليف، عارفاً سلفاً النتائج، وهو مدرك تماماً أنه لن يكون من السهل أن يؤلف حكومة، من دون رضى التيار الوطني الحر، حتى لو لم يسمّه الأخير، لأن أي حصة وزارية لرئيس الجمهورية تعني حكماً حصة التيار الوطني الحر الذي لن يرضى رئيسه، متمترساً خلف رئيس الجمهورية، ومع اعتكاف القوات اللبنانية، بأقل من تسمية جميع الوزراء المسيحيين. عدا ذلك، لا يمكن أن يقبل عون بحكومة يسمي فيها الحريري الحصة المسيحية، وإلا يكون نسف كل ما قامت عليه أدبياته حول صلاحيات رئيس الجمهورية ولازمات التيار بتحصين الحصص المسيحية. ويمارس التيار اللعبة نفسها منذ عام 2005، برفع الصوت والاعتكاف والتلويح بالميثاقية، فتارة يربح وتارة يتراجع كما حصل مع قانون الانتخاب الاخير، لكنه في الحالتين كان يجد متّكأً له عند حزب الله الذي يغضّ الطرف عن دفعه الوضع الى حدّ المواجهة، وكان محصّناً أكثر من بيئته الأساسية وقاعدته التي تشهد تذبذباً وتراجعاً لحضوره في الشارع المسيحي.