التهرّب من الاستشارات وتأجيلها إلى الخميس المقبل،تهدف بالاساس الى الاستمرار بسياسة التعطيل كما أضفى مزيداً من التشاؤم على المشهد، ووضع الأمور في نصابها لجهة كشف الفريق الذي يعطل البلد اليوم وهو كان عطّله في السابق لسنوات
 

في الوقت الذي كانت الأنظار متجهة إلى الاستشارات الملزمة بالامس في القصر الجمهوري، وحددت مختلف الكتل النيابية موقفها منها ، عادت الأنظار على أعقابها مع إعلان تأجيل موعد الاستشارات أسبوعاً إضافياً، لتتوالى التعليقات والتحليلات الدالة بالإصبع على باسيل باعتباره من يقف خلف قرار بعبدا لتصفية حسابات عالقة مع سعد الحريري حسبما نقلت مصادر مواكبة ، موضحةً أنّ جبران باسيل على ما يبدو اعتبر أنّ تكليف الحريري أصبح أمراً واقعاً بأكثرية مضمونة، واستفزه إعلان نائب رئيس مجلس النواب إيلي الفرزلي عن 22 صوتاً مسيحياً مؤيداً لهذا التكليف، فضغط باتجاه إرجاء الاستشارات بالتشاور مع رئيس الجمهورية، الذي لم يرُق له كذلك أنّ الحريري لم يستجب دعوته إلى عقد لقاء مع باسيل قبل التكليف للاتفاق معه على التأليف، واكتفى بإرسال وفد المستقبل إلى ميرنا الشالوحي، فبادر إلى اتخاذ قرار التأجيل في محاولة للدفع باتجاه عقد مثل هذا اللقاء قبل الخميس المقبل.

 

لقد تعمّد جبران باسيل في خطابه الأخير، عدم تسمية الحريري بالاسم، لكنه حرص في الوقت نفسه، على توجيه الرسائل النارية إليه، لا بهدف قطع الطريق عليه، ولكن بالدرجة الأولى، لملاقاة الرسائل التي كان رئيس الحكومة السابق المُبادِر لإطلاقها في حديثه التلفزيوني الأخير.

في هذا السياق مثلاً،هناك من قرأ في كلام باسيل عن أن من يريد أن يرأس حكومة اختصاصيّين يجب أن يكون هو الاختصاصيّ الأول، أو يزيح لاختصاصي، على حدّ قوله، رداً مباشراً على إصرار الحريري على تحييد نفسه عن السياسيّين، والمقصود بهم باسيل تحديداً، في معرض رفضه معادلة الحريري وباسيل معاً داخل أو خارج الحكومة.

من هنا، يُفسَّر كلام باسيل على أنّه رفض للمنطق الذي انطلق منه الحريري، في سبيل منح نفسه، وهو رئيس تيّار سياسيي أساسي في المعادلة، ما يرفض إعطاءه لنظرائه الآخرين، بعنوان أنّ الأحزاب لن تموت إذا انكفأت لعدّة أشهر، علماً أنّ مؤيّدي الحريري يبرّرون هذا المنطق، من خلال الفصل بين رئيس الحكومة والوزراء، باعتبار أنّ القواعد التي تسري على الأول ينبغي أن تكون تلك التي تسري على رئيسي الجمهورية ومجلس النواب. 

 

وأبعد من النقد الضمني الذي وجّهه باسيل صراحةً، لا مواربةً، للحريري، ثمّة من استقرأ فيه استباقاً للأحداث، بمُعزَل عن مصير الاستشارات النيابية، تكمن خلفه رسالة أكثر من واضحة، ولو اعتمدت اليات التشفير، وقوامها أنّ ما مُنِح للسفير مصطفى أديب لن يُعطى للحريري، وأن التيار سيتعاطى مع أي حكومة يرأسها سياسيّ، بمستوى الحريري، وفق منطق مختلف كلّياً، بناءً على شروط موضوعيّة ومحدّدة سلفاً.

 

إقرأ أيضا : مبادرة الحريري محفوفة بالمخاطر إلا إذا !

 

عموماً، وبانتظار نضوج الصورة الحكوميّة التي تبقى مرهونة باتصالات الساعات المقبلة، بمُعزَلٍ عن كلّ ما سبقها، فإنّ خطاب باسيل الذي استفزّ شرائح واسعة من الجمهور، لم يخلُ من الرسائل السياسيّة المهمّة، خصوصاً على مستوى الحديث عن التعديل الدستوري، وصولاً إلى الدعوة المتجدّدة لتطبيق اللامركزية الموسّعة، الواردة أصلاً في اتفاق الطائف. 

 

ويبدو اقتراح التعديل الدستوري الذي أعلن عنه باسيل، قابلاً للبحث للوهلة الأولى، باعتبار أنّه يعالج ثغرة جدّية واردة في الدستور، تسمح لرئيس الحكومة بالبقاء مكلَّفاً إلى ما شاء الله، بل إلى الأبد، لو أراد، من دون أن يؤلّف حكومته، باعتبار أنّه \غير مقيَّد بأيّ مهلةٍ تُلزِمه بإنجاز المهمّة الملقاة على عاتقه خلالها، الأمر الذي يمنحه سلاحاً يستطيع من خلاله ابتزاز القوى السياسيّة بشكلٍ أو بآخر.

وإذا كان باسيل قد حاول استقطاب الرأي العام، من خلال اعتماد لهجةٍ استقوائية استفزازية ، خصوصاً بنعته الدستور، الذي يتمسّك به فريقٌ من اللبنانيين، ويقتربون من تقديسه بالعفن والنتن، في وقت كان يمكنه الاكتفاء بالقول إنّه ليس قرآناً ولا إنجيلاً للتعبير عن وجهة نظره.

 

هناك من يرى أنّ خطاب باسيل حمل الكثير من المواد الخلافيّة، التي لا تبدو قابلة للكثير من الأخذ والردّ لدى البعض، بالنظر إلى الانقسام الطائفي العموديّ الثابت بين اللبنانيين.

 

لكن هناك من يرسم علامات استفهام حول حقيقة النوايا التي دفعت باسيل للإدلاء بدلوه، خصوصاً أنّ الطريقة التي اعتمدت لإيصال أفكاره، راعت في مكانٍ ما اعتبارات الشعبويّة على حساب الواقعية، ما حوّل الخطاب في أحد جوانبه، إلى خطاب شد عصب انتخابي ، ولو لامس بعض النقاط ، التي تعتبر في أساس المشاكل التي يعاني منها النظام اللبنانيّ. 

 

التهرّب من الاستشارات  وتأجيلها إلى الخميس المقبل،تهدف بالاساس الى الاستمرار بسياسة التعطيل كما أضفى مزيداً من التشاؤم على المشهد، ووضع الأمور في نصابها لجهة كشف الفريق الذي يعطل البلد اليوم وهو كان عطّله في السابق لسنوات، ورماه اليوم أكثر فأكثر في أتون الانهيار والجوع، وتوجست مصادر مراقبة من أن يكون الهدف من التأجيل دفع الحريري إلى التراجع عن قراره خوض الاستحقاق الحكومي، في حين أبدت مصادر بيت الوسط أسفها لما حصل، وعن موقف التيار الوطني الحر، والهجوم من باسيل، رأت مصادر بيت الوسط أن هجوم باسيل ينطلق من رد فعل على كلام الحريري في المقابلة التلفزيونية بأنه لا يزال على موقفه من عدم مشاركة باسيل في الحكومة.