تنطلق اليوم المفاوضات غير المباشرة بين لبنان والكيان الاسرائيلي حول ترسيم الحدود برعاية اممية واميركية، وسط تجاذبات داخلية في شأن تركيبة الوفد المفاوض ومعايير اختياره. اذا كان من المعروف انّ الداخل اللبناني منقسم على نفسه حتى التشظي، ويحترف المناكفات والنزاعات «عالفاضي والمليان»، فإنّ ما ليس مفهوماً هو ان ينسحب هذا النمط من السلوك على ملف فائق الحساسية، يتصل بالتفاوض مع العدو الاسرائيلي حول حدود لبنان البحرية وما تختزنه من حقوق نفطية.

 

انّ مفاوضات صعبة من هذا النوع تحتاج حُكماً إلى تجميع كل عناصر القوة لتحصين موقع الوفد اللبناني، الذي سيجد نفسه بدءاً من الجولة الأولى في مواجهة مجموعة من «الثعالب» الإسرائيلية، التي ستحاول استدراجه الى كثير من الافخاخ، متكئة على كتف وسيط أميركي متعاطف «جينياً» مع تل أبيب.

   

انما، وبدل ان يواجه لبنان الرسمي هذا التحدّي بأفضل الشروط الممكنة، طغت الاعتبارات الضيّقة على حسابات البعض، وتمدّدت بقعة زيت الانقسامات التقليدية الى الإدارة السياسية المسؤولة عن فريق التفاوض.

 

وتنبّه اوساط سياسية تراقب ما يجري، الى انّه ليس مقبولاً ان يذهب المفاوض اللبناني الى الناقورة وخط ظهره مكشوف على هذا النحو، نتيجة الخلاف بين رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب حول صلاحيات تشكيل الوفد، وبفعل تركيبة هذا الوفد الذي ضمّ مدنيين عوضاً عن الاكتفاء بخبراء تقنيين عسكريين، ما أدّى إلى نوع من الغضب في صفوف «حزب الله» المعترض على التوليفة التفاوضية.

 

وبالتأكيد لم يكن جائزاً، عشية انطلاق المفاوضات على ترسيم الحدود البحرية، ان يندلع اشتباك بين عون ودياب، في شأن ترسيم حدود الصلاحيات الدستورية لكل منهما، بينما المطلوب ان يكون الموقف الرسمي موحّداً ومتماسكاً لتحسين شروط التفاوض.

 

ولئن كانت الدولة قد رسبت حتى الآن في كثير من الاختبارات التي تتعلق بملفات سياسية واقتصادية واجتماعية ومالية، الّا انّ هناك من يشدّد على انّه من غير المسموح ان تخفق هذه المرة في اختبار لا يتحمّل القسمة على اثنين، وهو الذي يتعلق بتثبيت الحدود وحماية الحقوق السيادية.

 

هنا، لا مجال للتجارب ولا مساحة للمهاترات اللبنانية التقليدية، وبالتالي فإنّ كل من له صلة بهذا الملف الحيوي يجب ان يترك مصالحه وحساباته على البر، لئلا تتأثر بها مفاوضات البحر التي ينبغي تحييدها عن الالعاب البهلوانية الداخلية.

 

وقائع الكواليس

 

ومع بدء المفاوضات اليوم، عُلم انّ الوفد اللبناني سيستخدم اللغة العربية فقط في الكلام، تجنباً لحصول أي خلل في التعبير او التفسير، على أن يكون هناك مترجم الى اللغة الإنكليزية.

 

وتفيد المعلومات، انّ الجلسة الثانية من التفاوض ستُعقد مبدئياً في 28 تشرين الأول الحالي، بعدما يكون الديبلوماسي الأميركي المنتدب لمواكبة المفاوضات قد انتهى من ترتيب بعض أموره في مكان عمله الذي سيغادره لتولّي مهمته الجديدة.

   

ولكن، اين «حزب الله» مما يحدث في ملف يُصنّف بأنّه شديد الحساسية والدقة بالنسبة إليه؟

 

يؤكّد العارفون انّ الحزب منزعج جداً من طريقة تكوين القصر الجمهوري للوفد المفاوض والتي شكلت، في رأيه، انقلاباً على فحوى اتفاق الإطار، وتحديداً لجهة إجراء مفاوضات تقنية، غير مباشرة، بين ضباط عسكريين من الجهتين، تماماً كما يمكن أن يجري بين اي طرفين يحكمهما العداء.

 

وتفيد المعلومات، انّ قيادة الحزب ممتعضة كثيراً من التركيبة الفضفاضة للوفد المفاوض، بعدما تمّ ضّم عضو هيئة قطاع النفط وسام شباط الى عضويته من دون أي مبرر مقنع، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الخبير في القانون الدولي نجيب مسيحي. إذ يعتبر الحزب ان لا ضرورة ليكون عضواً ثابتاً في الوفد، بل يمكن اعتماده كمستشار، بحيث تتمّ الاستعانة به عند الحاجة وفق مجريات المفاوضات.

 

َوتعتبر قيادة الحزب، انّ ضمّ مدنيين الى الوفد اللبناني من شأنه ان يغلّب المعنى السياسي على المعني التقني للمفاوضات، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول دوافع هذا التصرف وأسبابه.

 

وتنبّه الاوساط القيادية في الحزب، الى انّ إدراج مدنيين ضمن الوفد انما ينطوي على تجاوب مع الارادة الأميركية، ويصبّ في مصلحة اسرائيل التي تريد منح التفاوض بعداً سياسياً ولو رمزياً، لافتة إلى انّ المبررات التي أُعطيت لتوسيع الوفد غير مقبولة.

 

وعُلم، انّ قيادياً كبيراً في «حزب الله» اتصل اكثر من مرة بمسؤول رفيع المستوى في الجيش اللبناني، وابلغ اليه اعتراض الحزب على تركيبة الوفد «الذي لا يجب أن يضمّ شخصيات مدنية، بل ينبغي أن يقتصر على العميد بسام ياسين والعقيد مازن بصبوص، لانّ التفاوض يتعلق حصراً بالترسيم التقني للحدود البحرية، وليس ابعد من ذلك».

 

ولعلّ الرئيس عون تقصّد، خلال اجتماعه امس مع أعضاء الوفد الذاهب الى النافورة في حضور وزيرة الدفاع وقائد الجيش، إطلاق رسالة طمأنة الى القلقين في الداخل، ورسالة تحديد السقف الى الاسرائيلي، عبر تشديده على أنّ المفاوضات تقنية وانّ البحث يجب أن ينحصر في هذه المسألة.

   

ولكن، هل يكفي هذا الموقف لمعالجة ذيول الاخذ والرد خلال الأيام الماضية، ام انّ الوفد المفاوض سيخوض أولى الجولات فوق ارض رخوة؟