قبل استقالة الرئيس سعد الحريري بعد حراك 17 تشرين الاول من العام الماضي، بذل الرئيس نبيه بري محاولات حثيثة لثنيه، لكنّه أصرّ ومضى في استقالته.

بعد الاستقالة، بُذلت محاولات حثيثة ايضاً، لكي يعود ويشكّل حكومة شراكة تحمل مطالب الحراك، وتنفّذ الورقة الاصلاحية التي تبناها الحريري. لكنه ربط عودته بشروط؛ حكومة من اختصاصيّين يختار وزراءها، ووقف تعطيلها من داخلها، وعدم تدخّل السياسيّين فيها، وصلاحيات استثنائية.

 

«التيار الوطني الحر»، حركة «أمل» و»حزب الله» مع الكتل الحليفة، رفضت شروط الحريري، «لأننا لن نلغي أنفسنا ونسلّمه مقادير الحكم وحده». وتدعّم هذا الرفض بما قيل يومذاك بـ»أنّ رئيس الجمهورية متحسّس من الحريريّ، وأنّه مع أي شخصية تترأس الحكومة سواه».

   

بقي الحريري وحيداً مع شروطه، لم يرفده الاميركيون والسعوديون بما يحصّن موقفه، فأخرج نفسه من نادي المرشحين، لكنّه شارك الكتل الأخرى في اختيار البديل؛ بداية طُرِح اسم بهيج طبارة فرفض، ثم محمد الصفدي، فتراجع، ثم كادت اللقمة الحكوميّة تصل الى فمّ سمير الخطيب، لكنّها سُحبت منه في ليلة ليلاء، حتى رسا الاختيار على حسان دياب.

 

خصوم الحريري نسبوا اليه آنذاك ما مفاده «انّ الدورة الحكومية ستلف وتدور وتعود اليه في نهاية الأمر، وعندها سيعود الى رئاسة الحكومة على حصان أبيض. فالحكومة المزمع تشكيلها محكومة بالفشل مسبقاً، ولن تكون قادرة على القيام بشيء، وبالتالي عمرها لن يزيد على الستة اشهر في أحسن الأحوال، ولن يكون في الميدان الحكومي سواه، حيث ستُجمع عليه «التمنيات السياسية» لعودته الى رئاسة الحكومة، ووفق شروطه».

 

وبالفعل، تعثّرت حكومة حسان دياب، وبلغت ذروة اهتزازها في حزيران الماضي، وبدأت القوى السياسيّة، حتى تلك التي وُصِفت بأنّها الحاضنة السياسية لها، العدّ التنازلي لرحيلها. مطلع تموز قال الحريري: «لن تروني قريباً في السرايا الحكومية، فلديّ شروط للعودة ونقطة على السطر.. ولن أغطّي أحداً قريباً منّي لترؤس أيّ حكومة».

 

إنفجر المرفأ في 4 آب، وتبعه انفجار سياسي فرض على دياب الاستقالة، الرئيس بري بادر فوراً الى ترشيح الحريري، دخل الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون من باب كارثة المرفأ، وحث على تشكيل حكومة مهمّة، ضمن مهلة اسبوعين. الفرنسيّون فاتحوا الحريري بترؤسه الحكومة، فلم يمانع، لكنّ التغطية الفرنسية لترشيحه، وعلى أهميّتها، لا تكفي وحدها لعودته الى السرايا، بل هذه التغطية تكتمل إذا ما اقترنت بتغطية اميركية وسعودية، فتعهّد الفرنسيّون بمحاولة اختراق الخطّين الأميركي والسعودي.

 

الخرق الفرنسي لم يتحقّق، وقيل إنّ الاميركيين منهمكون بانتخاباتهم، والسعوديّين أصرّوا على الانكفاء، مهلة الأسبوعين تتآكل، قال الحريري إنّه ليس مرشحاً. صارت العين على تمام سلام، فرفض تشكيل حكومة مع ميشال عون وبوجود جبران باسيل. «امل» و»حزب الله» أصرّا على الحريري، أو من يسمّيه، فجأة استُحضر مصطفى أديب بموافقة الحريري، وتمّ تكليفه.

   

هلّل الفرنسيون لمصطفى أديب، لكنّه فشل في التأليف؛ علاقات الحريري الداخلية تأزّمت مع الجميع تقريباً، الرئيس ماكرون أطلّ بمؤتمره الصحافي الصادم للقادة السياسيين، الحريري عاد قال إنّه ليس مرشحاً ولن يسمّي أحداً. فجأة يقتحم نجيب ميقاتي المشهد بمخرج؛ حكومة تكنوسياسية من 14 اختصاصياً و6 وزراء سياسيون. لم يقل ميقاتي إنّه مرشح، لكن عزوف الحريري، ادخله وحده الى نادي المرشحين، وجعل القوى السياسية تتعاطى معه كمرشّح جدّي. لكنّ ميقاتي اقفل الباب سريعاً على هذه الفرضيّة، بتقديم طرحه - «الدستوري والمنطقي والمتكامل، الذي يمكن أن ينطلق منه رئيس الحكومة المكلّف» - كنتيجة لقراءته للواقع السياسي».

 

مبادرة ميقاتي، اربكت زملاءه رؤساء الحكومات، بدا زملاؤه مصدومين، فطرحه ينسف ما نادى به الحريري بحكومة اختصاصيين. فلم يشاركوه فيه: «هذا امر طبيعي»، فمنطق ميقاتي يقول: «لسنا في الأساس كياناً واحداً، إنّنا نجتمع ونلتقي، ولكن لكلّ منّا رأيه وموقفه واستقلاليته، لسنا على رأي واحد في كل الأمور، قد نتفق على أمور، وقد نختلف على أمور، والطرح ليس منافسة لأحد، او قوطبة على أحد، بل لتحريك المياه الراكدة. فسلّة المرشحين لرئاسة الحكومة فارغة، وللفراغ ثمنه الباهظ مع ازمة تهدّد بانهيار كارثي. واما جوهر الطرح فهو حكومة برئاسة الحريري، وليست برئاسته شخصياً، فهذه المرحلة تتطلّب ان يكون الحريري رئيس الحكومة».

 

نامت مبادرة ميقاتي، من دون أن تموت، وقيل إنّ في نادي الرؤساء من خشي ان تكون مبادرته «محصّنة» بتغطية خارجية، على الأقل سعودية. ميقاتي وجد هذه الخشية مبالغاً فيها، والسعوديّون لم يبدر عنهم أي اشارة علنيّة لا في هذا الاتجاه، ولا في اي اتجاه آخر.

 

وعلى ما قيل ايضاً، فقبل مبادرة ميقاتي، كان من بين «زملاء النادي»، من ينصح الحريري بأن يبقى بعيداً، وأمّا بعدها، فعاد ونصحه بالعودة الى النادي الحكومي. فبادر في مقابلته التلفزيونية الى طي بيان عزوفه بقوله: «انا مرشح لرئاسة الحكومة من دون جميلة حدا». وقد يبدو هنا ان مبادرة ميقاتي نصف المراد منها، أي فتح الباب لعودة الحريري الى رئاسة الحكومة.

   

قال الحريري إنّه يريد اجراء مشاورات بعد 72 ساعة، لمعرفة ثبات مواقف وموافقة الفرقاء السياسيين على الورقة الاصلاحية الفرنسية، وسيستهلها اليوم بلقاء رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس المجلس النيابي نبيه بري. لكن بعض القراءات اعتبرت الـ72 ساعة، ارادها فرصة لرصد الارتدادات الخارجية لما طرحه وتقدير حجم قوة الدفع لترشيحه، السعودية وغير السعودية؟

 

تلقّى الحريري أجوبة داخلية سريعة تؤكّد الالتزام بالمبادرة الفرنسية، من وليد حنبلاط، والتيار الوطني الحر، الذي كشف عبر لجنته السياسية رؤيته لكيفية تشكيل الحكومة، وحركة «أمل» على لسان النائب علي حسن خليل، كانت السبّاقة الى الاعلان»اننا في الاساس نتعاطى بإيجابية مع ترشيح الحريري»، فيما القرار الحركي حاسم: «كنا وما زلنا ملتزمين بالمبادرة الفرنسية، بحرفيتها، وحذافيرها، وبرنامجها الاصلاحي، تماماً كما عُرضت في قصر الصنوبر، من دون زيادة ولا نقصان، اي مبادرة بلا اي اضافات عليها، ومن دون زيادة لا سكر، ولا ملح، ولا أيّ بهارات».

 

ما تقدّم يؤشّر الى انّ الحريري محشور في هذا الجانب وفي جوانب اخرى في مجتمعه، وبيئته السياسية وفي علاقاته و»صداقاته». وكل الاطراف أيضاً محشورون، بالأزمة وبشبح الانهيار المريع. الجميع يريدون حكومة، والخيارات ضيّقة جداً ومحدودة امام الجميع. ولكن، في ما خصّ تكليف الحريري، فبوجود ضفتين سياسيّتين متصادمتين، ليس في الامكان الحديث عن تكليف «محسوم»، وبالتالي، استشارات الخميس مفتوحة على احتمالين: إما تكليف الحريري، وإما تأجيلها. وكلا الاحتمالين مربوطان بجواب عن سؤال: هل أن ترشيح الحريري محصّن بتغطية سعودية؟ وعلامَ سيركّز في مشاوراته؟

 

ما اراد أن يسمعه الحريري من الاطراف حول الالتزام بالمبادرة وبرنامجها الاصلاحي حصل عبر المنصّات الاعلامية خلال اليومين الماضيين.

 

مؤيّدوه يقولون، إنّ «الجميع معنيون بالتجاوب مع التضحية التي يقدّمها، وبسلوك خريطة الطريق التي رسمها وحدّد ستة اشهر للانجاز».

 

المحايدون يقولون «الحريري دخل الى نادي المرشحين لا ليخرج، بل ليكمل بتشكيل حكومة. فهو مُحصّن فرنسيًّا، ومؤيّد من قبل الاميركيّين، الذين يُحضّرون لاحتفالية ضخمة في الناقورة بعد يومين، حول اتفاق اطار مفاوضات ترسيم الحدود البرية والبحرية بين لبنان واسرائيل، ويريدون لهذه المفاوضات ان تجري في ظل اجواء هادئة على جانبي الحدود الجنوبية، وفي ظل وضع لبناني مستقر سياسياً على الأقل، من هنا يتأكد كما يقول مرجع كبير، ان الدافع الأساس لتحريك ملف التكليف ونزول الحريري الى هذه الحلبة، هو الاعلان عن الاتفاق الذين يعدون الاولوية له، ما يعني ان للاميركيين الدور الاساس في تحريك ملف التكليف.

 

لكن الخصوم يقولون: «إذا كانت مشاوراته محصورة بمعرفة مواقف الاطراف من المبادرة، فبالتأكيد أنّ تكليفه حتمي يوم الخميس. ولكن الأمر يختلف لو كانت في جعبته اسئلة اخرى وشروط معيّنة؟».

 

ومن بين هؤلاء من يخشى عودة الامور الى نقطة الصفر، اذا ما بادر الى وضع شروطه التي سبق وطرحها ورُفضت، على الطاولة من جديد وأصرّ عليها، فهذا الرفض سبق وتبلّغه حينما ربط بها عودته الى رئاسة الحكومة بعد استقالته، وتكرّر الرفض حينما جرت محاولة اخذ هذه الشروط خلال تأليف حكومة مصطفى اديب، والجواب النهائي الأكيد: لا خلاف على شكل الحكومة، وعددها، وهويتها كحكومة اختصاصيين لا سياسيين، لكن الاساس هو اعتماد الآلية الطبيعية لتشكيل الحكومة وليس اي آلية اخرى، لأنّها لن يُكتب لها النجاح.