وكأن اللبنانيين من مختلف الطبقات الاجتماعية يعيشون في كوكب آخر لا يأخذون في الاعتبار ما يحضر لهم في الاشهر المقبلة على المستويين الاقتصادي والمالي، لا يقاربون ما بدأ الترويج له عن قصد عن رفع الدعم عن المحروقات والدواء والقمح والمواد الاساسية، فهل يئس هؤلاء وسلموا امرهم لسلطة لا تزال تقارب حل المشكلات وفق مصلتحها الذاتية؟ 

ساحات الثورة خالية من روادها الجائعين والفقراء والاحرار؛ الامر الذي يطرح الكثير من التساؤلات وللبحث صلة، وفي حين بدأ الحديث عن ضرورة اللجوء الى استخدام احتياطي الذهب لجهة رهنه او بيعه، في ظل  تهاوي احتياط العملات الإجنبية لدى المصرف المركزي، ينشغل اهل السياسة والتحليل للتطورات الاقليمية بالانتخابات الاميركية وكأن هؤلاء يشكلون اللاعب الابرز في هذه الانتخابات غير آبهين بالضربة المالية والنقدية القاضية التي سوف تؤدي الى انفجار اجتماعي لن يعيد تحريك الشارع بقدر ما سيولد حوادث قتل من هنا وسرقات من هناك.

 

في ظل الظروف الاخيرة التي عصفت بلبنان من انهيار اقتصادي ومديونية ومالية غيرمدروسة، كثر الحديث عن احتياطي الذهب اللبناني كدرع أخير في مواجهة التحديات المالية الغير مسبوقة التي يواجهها الاقتصاد اللبناني وكمساهمة في حل يسمح بالخروج من النفق المظلم . وهنا لا بد هنا من التطرق  كما يؤكد المتخصص في قانون الشركات والمصارف المحامي حسين يعقوب  لـ"لبنان24" الى القانون رقم 42 الصادر عام 1986 والذي يقضي بعدم بيع "موجودات الذهب" لدى مصرف لبنان الا بنص تشريعي يصدر عن مجلس النواب. 

 

 

التخلي عن السيادة؟ 

وفي هذا السياق، تبرزمشكلة اساسية تتلخص، بحسب يعقوب، في ان الدولة اللبنانية تخلت عن سيادتها على موجوداتها الخارجية عام 1996 عندما اقر مجلس النواب اتفاقية عقود اصدار سندات الدين بالعملات الاجنبية ومن ضمن بنودها الخضوع لقوانين محاكم نيويورك المدنية لحل اي نزاع بينها وبين دائنيها وبموجب ذلك اصبح الذهب اللبناني الموجود خارج لبنان خاضعا للولاية القضائية الاميركية.  فالقانون رقم 42 من جهة وفر الحماية لاحتياط الذهب اللبناني فنص على"منع التصرف بالموجودات الذهبية لدى مصرف لبنان او لحسابه بصورة استثنائية مهما كانت طبيعة هذا التصرف وماهيته سواء كان ذلك بصورة مباشرة او غير مباشرة"، الا ان هذه الحماية القانونية يبقى تأثيرها محليا، فالاحتياطي يخضع للولاية القضائية الاميركية. وليس بعيدا فإن  المادة 69 من قانون النقد والتسليف اوجبت على مصرف لبنان ان يبقي في موجوداته اموالا من الذهب ومن العملات الاجنبية لضمان سلامة تغطية النقد اللبناني ولأنه يشكل عامل ثقة بالبلد واقتصاده.

 

 

لقد اصبح من المعلوم ان الاحتياطات النقدية من العملات الاجنبية في المصرف المركزي اللبناني قد شارفت على المساس بالخط الاحمر اي عدم القدرة على دعم السلع الاساسية والحياتية (دواء- قمح - محروقات)، وهنا لا بد، كما يقول يعقوب، من الاضاءة على ماهية الاحتياطات ودورها. فالاحتياط النقدي الذي يعني  الودائع النقدية التي يجب على البنوك التجارية ايداعها في خزائنها او في البنك المركزي وتنقسم الى قسمين:

 

احتياطي زائد:وهو جزء من الودائع تحتفظ به البنوك التجارية في خزائنها او تستثمره في نشاطها.

احتياطي الزامي: وهو نسبة يحددها البنك المركزي وتلتزم بها البنوك(في لبنان 15 %).

وعليه، فعندما تقوم البنوك بخفض قيمة الاحتياطي لديها سينعكس ذلك، كما يشير يعقوب، بالزيادة على الاموال في النظام المصرفي وبالتالي ينعكس ذلك ايجابا على قدرة المصارف على الاقراض (افراد- شركات- مؤسسات) والعكس صحيح ايضا، فهي في حال ضاعفت هذه الاحتياطات فسوف يؤثر ذلك على قدرة المصارف على توفير الاموال مما ينعكس سلبا على امكانية الاقراض فالاحتياط النقدي الالزامي القانوني هو احد ادوات السياسة النقدية للتدخل في السوق عبر سحب او ضخ السيولة مما يساعد على التأثير على معدلات التضخم. 

تأمين نمو إقتصادي   إزاء ذلك، تفرض التطورات المالية والنقدية، كما يقول المتخصص في قانون الشركات والمصارف، العودة الى احكام قانون النقد والتسليف.  فالمادة 70 حددت المهمة العامة للمصرف وهي المحافظة على النقد لتأمين اساس نمو اقتصادي واجتماعي دائم كما واناطت به ايضا:

 

المحافظة على سلامة النقد اللبناني.

المحافظة على الاستقرار الاقتصادي .

وبالتالي فإن نص المادة 76 من ذات القانون: يخول المصرف المركزي الابقاء على الانسجام بين السيولة النقدية وحجم التسليف وبين مهمته العامة المنصوص عليها بالمادة 70 . وهنا تجدر الاشارة انه لا يوجد نص قانوني مانع يقضي او يستبعد جواز استعمال مصرف لبنان لهذه الاموال وهذا يشكل مستندا للذين يدفعوا باتجاه هذه الخطوة في مقابل فئة تدفع نحو عدم خسارة آخر أوراق البلاد.

 

 

ومع ذلك، يطرح يعقوب سؤالا جوهرياً مفاده: ما هو حجم الخطورة اذا احجم المصرف المركزي عن دعم السلع الضرورية على الاقل(قمح –دواء- محروقات)؟  مَن من اللبنانيين القابعين تحت خط الفقر(بحسب الاحصاءات تقدر نسبتهم بأكثر من  60 %) يمتلك القدرة على مواجهة  التحديات التي تنذر بالأسوأ طالما ان الطبقة السياسية تدفن رأسها في التراب وتضرب بعرض الحائط أوجاع اللبنانيين؟  ليجيب يعقوب بالقول إن قاعدة " الضرورات تبيح المحظورات" سوف تفرض نفسها واقعا جديدا من الألم بات اللبنانيون للأسف معتادين عليه.

 

 

يحمل كثيرون من اللبنانيين  التدهور الحاصل الى المصرف المركزي على  قاعدة أنه تجاوز حدوده في الهندسات المالية ، بيد أن يعقوب يشدد على أن الهندسات المالية اطلقت عام 2016 وحينذاك كان لبنان يعيش شللا تاما (شغور رئاسي استمر لأكثر من عامين وحكومة معطلة) بالتوازي مع الازمة السورية وما رافقها من تداعيات على المستوى الاقتصادي ايضاً، كل ذلك  أدى الى استنزاف ما تبقى من مقومات للاقتصاد اللبناني مما دفع بالمصرف المركزي القيام ببعض العمليات استهلها بعملية مقايضة مع وزارة المالية لملياري دولار من اليوروبوند عاد وباعها للمصارف اللبنانية وهو أمر بات معروفا للقاصي والداني. 

 

 

اما من ناحية قانونية هذه الهندسات فقد أشارت الى ذلك مديرية الشوؤن القانونية في مصرف لبنان في مطالعة لها حيث اعتبرت ان "المهام المنوطة بمصرف لبنان بموجب القوانين النافذة هي تأمين السيولة للمصارف عند الحاجة وفقا لشروط خاصة وليس تعدي ذلك الى تعزيز الاموال الخاصة للمصارف وتأمين ملاءة هذه الاخيرة "، وهذا يعني ان مصرف لبنان تجاوز دوره في هذه الهندسات التي لم تكن من المهمات الموكلة اليه وضمن نطاق الوظيفة التي انيطت به .

 

 

وعليه، فإن اي حل للواقع الراهن  يكمن في الانطلاق من ثقافة ورؤية جديدة لادارة الدين العام بحيث ان السياسات المتبعة على مدى ثلاثة عقود اثبتت فشلها وانعكاسها السلبي على اي رؤية تفاؤلية مستقبلية للاقتصاد اللبناني. أما الجدية في الخطوات الاصلاحية فأصبحت، وفق يعقوب،  اكثر من ضرورة ملحة خاصة وأن المبادرات الغربية والاوروبية على وجه التحديد  لدعم لبنان  (فرنسا على سبيل المثال) باتت رهن التزام لبنان  بهذه الاصلاحات ومنها على سبيل المثال  اصلاح قطاع الكهرباء واعادة هيكلة المصارف؛ فأي حل يمر حتما باعادة هيكلة القطاع المصرفي، ولاهمية هذه الخطوة تم الاعلان عن انشاء لجنة خاصة في مصرف لبنان "لجنة اعادة هيكلة المصارف"، وبالتالي انطلاقا من ذلك  لم يعد واردا اي دمج او تصفية لأي مصرف في لبنان،  في حين أن انشاء هذه اللجنة قد يشكل  خطوة متقدمة يجب  ان تستكمل عن طريق المزيد من القوانين البرلمانية عطفا على مشاريع  حكومية واصطفاف كل من مصرف لبنان وجمعية المصارف الى جانب الحكومة والبرلمان للخروج من هذا النفق المظلم.