على رغم من أنّ هامش المناورة لدى الطبقة السياسية الحاكمة يضيق على أكثر من مستوى، جرّاء الضغط المتعدّد الجهات من الداخل والخارج، إلّا أنّها ما زالت ممسكة بزمام الأمور ولا ترضخ لمطالب اللبنانيين، من تأليف الحكومة الى تأجيل إجراء الانتخابات النيابية الفرعية بعد استقالة 8 نواب، ورفضها إجراء انتخابات نيابية مبكرة تعيد القرار الى الشعب.

 

الى ذلك، سيفقد اللبناني القدرة على التحمُّل إذا استمرّ التعنّت السياسي والاستهتار الحاصل، ورُفع الدعم عن المواد الاستهلاكية، الأمر الذي سيؤدي حتماً الى فوضى في الشارع. فهل من حلول أمام الشعب لـ»استبدال» هذه السلطة المتمسّكة بالحُكم، حتى لو كانت ستودي بالبلد الى «الجحيم»، بحسب ما قال رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، في حال تأخّر تأليف الحكومة؟

 

المدخل الأساس لتغيير السلطة يكمن في تغيير مجلس النواب الذي ينتج الحكومات وينتخب رؤساء الجمهورية. وهناك حلّ من اثنين، لتغيير الطبقة السياسية الحاكمة، بحسب الوزير السابق المحامي زياد بارود، إمّا عبر انقلاب وإمّا عبر الآليات الديموقراطية. ويقول: «على رغم كلّ سيئات النظام يجب الحفاظ على الآليات الديموقراطية».

   

ويعتبر بارود، أنّ «الطريقة الأمثل للتغيير هي الانتخابات، مهما كان قانون الانتخاب الذي ستُجرى على أساسه، وحتى لو كان قانون الانتخاب الحالي مع كلّ الملاحظات عليه، ففي ظلّ تغيُّر المزاج الشعبي في الشارع، لا شك أنّ الانتخابات ستؤدي الى تغيير ما على مستوى التمثيل في مجلس النواب». لكنّ شروط حل مجلس النواب المحدّدة حصراً في الدستور غير متوافرة، كذلك، إنّ السلطة أو الأكثرية النيابية ترفض إجراء الانتخابات المبكّرة، حتى الانتخابات الفرعية التي من المُفترض أن تُجرى بعد استقالة 8 نواب من مجلس النواب، تمّ تأجيلها الى ما بعد 1/1/ 2021، بقرار اتخذه عون ورئيس حكومة تصريف الاعمال الدكتور حسان دياب.

 

فهل من آليّات قانونية تفرض إجراء انتخابات نيابية مبكّرة، أو هل يمكن اللجوء الى الأمم المتحدة وتحديداً مجلس الأمن؟ يجيب بارود: «الأمم المتحدة لا تتدخّل في اختيار المواطنين لممثليهم، ويجب لَبننة هذه الأمور، كذلك هناك محاذير لإجراء انتخابات تحت الفصل السابع». ويعتبر أنّ «الضغط الشعبي قد يؤدي الى تقصير ولاية مجلس النواب تمهيداً لإجراء انتخابات نيابية مبكرة، فأيّ تغيير في المزاج الشعبي بحجم كبير يجعل تقصير ولاية المجلس مطلباً مشروعاً وضاغطاً، وينفي حجة أنّ الانتخابات النيابية الأخيرة لم يمرّ عليها كثير من الوقت، فصحيح أنّها جرت في أيار 2018 لكن في 17 تشرين الأول 2019 تغيّر كثير من الأمور، وبعد هذا التاريخ وانفجار 4 آب بات التغيّر كبيراً».

 

وإذ يعتبر بارود أنّ «الشارع الآن يمثّل كثيراً لكنه لا يمثّل جميع اللبنانيين، وبعض القوى السياسية سيحتفظ بمقاعده، وبالتالي إذا جرت الانتخابات ستؤدي الى صحة التمثيل وشكل جديد من الحالة التمثيلية، وتفرز مجلس نواب يعبّر عن تغيّر المزاج الشعبي، وعن قوى سياسية تقليدية ستحتفظ ربما بمقاعد لها»، يرى أن «لا انتخابات نيابية مبكرة بمبادرة من المجلس نفسه، لأنّ السلطة المتمثلة في مجلس النواب والحكومة من الواضح أنّها اتخذت قرار تعليق الحالة الديموقراطية وتأجيلها».

 

وإذ يوضح بارود أنّ أسباب تأجيل الانتخابات الفرعية الى بعد مطلع السنة المقبلة غير مبرّرة، يؤكد أنّ هناك إمكانية لإجراء هذه الانتخابات، خصوصاً أنّها موجب دستوري، مشيراً الى أنّ هذا التأجيل الطويل غير المُبرّر يحجب حقاً دستورياً طبيعياً عن الناس ويمنعهم من التعبير عن خياراتهم ويحرم الذين سبق ان انتخبوا النواب المستقيلين من التمثُّل في مجلس النواب. لذلك، يحصل التعبير في الشارع ووسائل التواصل الاجتماعي، بحسب بارود، حيث تحوّل الشارع مؤسسة شبه دستورية، إذ إنّ الناس يفتشون عن مطالبهم وحقوقهم ولا يجدونها في المؤسسات الدستورية، فاتجهوا الى مؤسسة غير دستورية ولكنها فعلية وشعبية.

   

هذا الشرخ بين الناس والمؤسسات الدستورية غير صحي ويؤدي الى مشكلات وإشكالات كبيرة على المدى البعيد، وفق ما يقول بارود، لذلك إنّ «الانتخابات المبكرة تشكّل حلاً ومدخلاً للاستقرار، بعد حالة عدم الاستقرار التي نعيشها». ويرى أنّ «القوى السياسية التي تعتبر أنّ لديها جمهورها وما زالت موجودة في الشارع، لا يجب أن تخاف من إجراء انتخابات نيابية مبكرة، بل أن تسعى إليها لتجدّد الثقة فيها عبر هذا التمرين الديموقراطي، كذلك من يشعر أنّه يمثّل الشارع يترشح في هذه الانتخابات، التي ستحدّد ممثلي الشعب».

 

هذا الحلّ الديموقراطي مُستبعد في ظلّ تمسّك السلطة بكلّ مكاسبها ومواقعها، و»خوفها» من «تغريدة» أو مظاهرة أو انتخابات فرعية. ومثلما أجّلت الانتخابات الفرعية قد تؤجّل الانتخابات النيابية المقبلة العامة، مثلما حصل سابقاً من تمديد لمجلس النواب. لا يستبعد بارود هذا التوجه، ويقول: «لكن هذه المرة سيكون غضب الشارع هائلاً»، معتبراً أنّ «تأليف الحكومة قد يضع الأمور على السكة بالحد الأدنى، ويُمكن أن يؤدي الى انتخابات وإعادة إنتاج السلطة، والى بعض من الاستقرار المعيشي والاقتصادي والنقدي، فقد تتمكّن من حماية المواطنين عبر استمرار دعم السلع الأساسية أقله للأشهر القليلة المقبلة، الى حين إجراء تدابير جذرية في المال والاقتصاد، وذلك لعدم الذهاب الى الفوضى»، مشيراً الى أنّ «هناك فارقاً بين انهيار تتم معالجته وانهيار يؤدي الى فوضى».

 

أمّا التغيير الجذري فلا إمكانية لتحقيقه في ظلّ هذا النظام الدستوري القائم، بحسب بارود، بل «سيكون التغيير بسيطاً لمواكبة تدابير اقتصادية ومالية والاتفاق مع صندوق النقد الدولي، ولا إصلاح كاملاً». على رغم ذلك، يرى بارود أنّ «قواعد اللعبة بدأت تتغير لكن ليس بنحو وافٍ وجذري، والحلّ المتوافر يبقى بالضغط الشعبي».