في الأزمة المتفاقمة ليس هناك طرف منتصر وآخر منهزم، مهما كانت النتائج، سواء لصالح الثنائي أم لفريق معارضيه، فالكل سيكون خاسراً، والخاسر الأكبر سيكون البلد الذي ضاعفت الخلافات السياسية، وفساد السياسيين من مآسيه ومحنه.
 

في لحظة سياسية بالغة الحساسية والتعقيد، بتشابك المصالح الطائفية والشخصية الداخلية، المتصلة بالطوائف والشخصيات مع المصالح الإقليمية والدولية المتضاربة مع تشديد العقوبات الأميركية على إيران ودعوة أوروبا للالتزام بها  الجمود المسيطر على عملية تشكيل الحكومة خرقه مبادرة للرئيس سعد الحريري مخالفاً رؤساء الحكومات السابقين الذين تنصلوا منها عبر بيان صدر عنهم وتقتصر مبادرة الرئيس الحريري بأن تكون ولمرة واحدة وعلى ان لا تشكل عرفاً بتقديم مجموعة من الاسماء للمالية يختار الرئيس المكلف شخصاً منهم  وبموقف غير مسبوق شكلت المطالعة التي دفع بها رئيس الجمهورية إلى الساحة السياسية، وأكد  انه مع تصلب المواقف لا يبدو في الأفق أي حل قريب والامور على هذا المنوال ستوصل الاوضاع الى جهنم،

 

لكن الموقف الذي فاجأ الاوساط السياسية تساؤل البطريرك الراعي: بأي صفة تطالب طائفة بوزارة معينة، وتُعطل تأليف الحكومة حتى الحصول على مبتغاها، مشيراً لسنا مستعدين ان نبحث بتعديل النظام، قبل ان تدخل كل المكونات في كنف الشرعية، وتتخلى عن مشاريعها الخاصة، ولا تعديل في النظام في ظل هيمنة السلاح غير الشرعي ومع التأزم الداخلي لا سيما المكونين الشيعي والماروني، دخلت العقوبات الاميركية كطرف في الازمة المتعلق بتأليف الحكومة والمبادرة الفرنسية، والممانعة الاوروبية بفرض العقوبات الاميركية على ايران،من زاوية فقدان الاساس القانوني لاستمرار العقوبات .

 

اعتبرت المصادر ان مصير تشكيل الحكومة الجديدة اصبح بالخارج وفي صلب مصالح نظام طهران وصراعها مع الولايات المتحدة الأمريكية ولم تنفع كل محاولات أصدقاء لبنان لاخراج هذه العملية من فك هذا الصراع المستحكم بين الدولتين، لاسيما بعدما طلبت الديبلوماسية الايرانية من فرنسا مؤخرا وجوب قيام الجانب الفرنسي بقيادة حملة التمرد الأوروبية لكسر مفاعيل الحصار والعقوبات الاميركية الخانق على ايران من جانب واحد وان كان مثل هذا الطلب التعجيزي غير قابل تنفيذه لاعتبارات مصلحية وتعقيدات قانونية مع الولايات المتحدة الأمريكية، مايعني عمليا ابقاء عملية تشكيل الحكومة الجديدة  معلقة ضمن هذا الصراع حتى إشعار آخر، الا اذا نجحت الديبلوماسية الفرنسية بمساعيها النشطة لاقناع طهران في اخراج هذا الملف من هذا الصراع وإعادة الدينامية الى عملية التشكيل من جديد .

 

إقرأ أيضا :  المبادرة الفرنسية غرقت في الوحل اللبناني

 

ولا يمكن إبعاد موقف الثنائية الشيعية عن سياقاته الإيرانية التي تبحث عن أفق تصعيدي في مواجهة الضغوط الأميركية، فلا بدّ من التشدّد في لبنان على غرار محاولة تسجيل اختراقات عسكرية وأمنية في دول الخليج. لم يعد معطى تشكيل الحكومة محلياً على الإطلاق. وكأنّ الثنائية تريد التصعيد وتمرير الوقت بانتظار الانتخابات الاميركية وما سينتج عنها. بينما لم يجدا من يؤيد في لبنان، في مواجهة مواقف البطريركية المارونية المتمسّكة بالحياد. بينما لاقى موقف البطريرك الراعي يوم الأحد، البالغ الوضوح في رفض تكريس أعراف طائفية ومذهبية للوزارات، ترحيباً مسيحياً واسعاً، ولم يكن عون قادراً على الخروج عنه، لحسابات الموقع والدور وحسابات العهد والحفاظ على ماء وجهه، والحسابات السياسية المرتبطة بالعقوبات ومحاولة تجنبها . 

 

وأضافت المصادر ان الجانب الفرنسي أبلغ المسؤولين الايرانيين ان فرنسا بذلت مافي وسعها مع حلفائها الاوروبيين واتخذت موقفا معارضا لموقف الولايات المتحدة الأمريكية من اعادة فرض العقوبات الدولية على ايران في الامم المتحدة بعد أنتهاء مدتها بالرغم من تداعيات هذا الموقف على علاقاتها مع واشنطن  وبالتالي لابد من طهران ان تاخذ الموقف الفرنسي هذا بالحسبان وتلاقيه بتسهيل حل مشكلة تشكيل الحكومة الجديدة في  لبنان .  واعترفت مصادر فرنسية ان المبادرة الفرنسية تواجه صعوبات، وان تاريخ 15 ايلول كان موعد اعلان الحكومة  اللبنانية . 

 

وهنا ييبرز سؤال ميثاقي يفرض نفسه، هل يستطيع مكون واحد أن يقف بمواجهة كل المكونات الطائفية والسياسية الأخرى؟ وبعبارة أخرى هل من الحكمة أن يصر مكون واحد، مهما بلغ شعور فائض القوة لديه أن يفرض خياراته على بقية الشركاء في الوطن والمصير . 

الجانب الدستوري من الأزمة الراهنة فيكاد يكون واحداً مثل الأزمات السابقة، مع بعض الاختلافات البسيطة. في الاستحقاقات السابقة كان أسلوب التعطيل هو السلاح الأول في المعركة .

الفارق الكبير والخطير بين الأمس واليوم، هو أن وضع البلد في هذه المرحلة في حالة هي أشبه بالاحتضار، والدولة في سباق بين الحياة والموت، والوطن كله في العناية الفائقة متعطشاً إلى شهيقاً من الأوكسجين ليحافظ على انفاسه. والخطير اليوم اكثر من أي وقت مضى هو الجنوح بالصراع من السياق السياسي الى الصراع الطائفي والمذهبي الامر الذي ينذر بعواقب وخيمة ،وعليه يتعذّر رصد معالم المرحلة المقبلة في لبنان. 

في الأزمة المتفاقمة ليس هناك طرف منتصر وآخر منهزم، مهما كانت النتائج، سواء لصالح الثنائي أم لفريق معارضيه، فالكل سيكون خاسراً، والخاسر الأكبر سيكون البلد الذي ضاعفت الخلافات السياسية، وفساد السياسيين من مآسيه ومحنه، والتي كان آخرها الانفجار الزلزالي في المرفأ .

 

 مصادر سياسية تعتبر ان مايحصل و مايطرح من سقوف عالية بالمطالب بتشكيل الحكومة العتيدة وردود الفعل والتجاذبات السياسية والدينية عليها، يؤشر إلى ان ازمة حكومية طويلة، قد تطول لحين موعد الانتخابات الرئاسية الاميركية كما هو ظاهر لرهانات إيرانية مكشوفةعلى امكانية تبدل الإدارة الاميركية الحالية باخرى اقل عدوانية . ومن المرتقب ان يشدد لافروف خلال اللقاء مع ظريف على أهمية لعب ايران دورا  إيجابيامساعدا لحل الازمة الحكومية بلبنان نظرا لاهمية ذلك بمنع الانهيار المالي والاقتصادي في لبنان.