فجأة، اختفى «القبضايات» عن الشاشة، وصرخوا: «بِأَمْرَك ماكرون» و»بَلَعوا ريقَهم»، ثم كلّفوا الرئيس ميشال عون إيجاد طريقة للحدِّ من خسائرهم وحفظ ماء الوجه. وللحقيقة، لم يتوقع أحد أن يأتي إلى السرايا الحكومية رجل يدعى مصطفى أديب، ويقوم هو نفسه بصنع «العهد القوي».

 

ما تريده القوى السياسية اليوم هو ضمان بأنّ السلطة الآتية لن تفضح فسادها الذي أوصَل البلد إلى قعر الهاوية، وتالياً أنّ الوزارات التي ستقوم بـ»إخلائها»- بعد عمر طويل- لن تنكشف فيها الموبقات التي ربما تقود إلى تطيير رؤوس كثيرين.

 

في الواقع، تريد قوى السلطة أن «تسحق» الرئيس المكلَّف ليصبح حسّان دياب آخر. فهي تخشى أن تأتي حكومة إصلاح فعلية، تحظى بدعم دولي وعربي، وتنسف المنظومة السياسية السابقة فقط من خلال إظهار فضائحها.


 
 

ولذلك، تتشبّث هذه المنظومة بالوزارات التي تحتلّها، بحيث تبقى لها وحدها القدرة على كشف الأرقام والوقائع الصحيحة فيها. ولكن، من المستحيل اليوم أن يقبل أديب ومَن وراءه بتكرار تجربة دياب. ولا يبدو ممكناً إخراج البلد من مأزقه إلّا باقتلاع المنظومة الحالية، والمستمرة في السلطة منذ خروج السوريين عام 2005.

 

لقد أظهرت القوى التي تشارَكت في السلطة، من حلفاء سوريا وخصومها، أنها لا تمشي إلّا إذا تعرضت للضغط والإكراه، كما في المرحلة السورية. وثمة مَن يقول إنّ مِن «حسنات» الفساد والانهيار الاقتصادي والمالي والنقدي اللذين يرزح تحتهما البلد أنهما سيتكفّلان بكشف الموبقات التي ارتكبتها هذه الطبقة، وما زالت، ثم اقتلاعها.

 

المطلعون يقولون: ليس صحيحاً أنّ القوى السياسية تتشبَّث بالحقائب الأساسية والحسّاسة و»الدَسِمة» في الحكومة، كالمال والاتصالات والطاقة وسواها، فقط من منطلقات التوازن الطائفي أو المذهبي أو الحزبي. فقد كان يمكن أن تتخلّى عن «وزاراتها»، ظرفياً لحكومةٍ تعيش بضعة أشهر، ثم تعود لاحقاً تحت لواء الحكومات السياسية.

 

وفي الحقيقة، تُحاذر هذه القوى أن تتخلّى، ولو يوماً واحداً، عن «المحميّات والحصون» التي أقامتها في الوزارات، على مدى سنوات طويلة، خوفاً من قيام الوزراء الجدد بجردات حساب حقيقية للأرقام والوقائع في هذه الوزارات، يمكن أن تُعرَف أين تبدأ ويستحيل التكهُّن بما ستصل ومَن ستصل إليه.

 

إذا جرت عمليات إصلاح حقيقية، تنفيذاً لشروط الجهات المانحة والقوى الدولية، سيكون حسّاساً فتح الملفات في عشرات الوزارات والمؤسسات والمرافق والدوائر والمصالح. وإذا لم تكن قوى السلطة الحالية مُمسكة بالقضاء وهيئات الرقابة والمحاسبة، فهذا يعني أنّ رؤوساً تكون «قد أينعَت وحان قطافها».

 

لذلك، يشير المطلعون إلى رسائل يتمّ تبادلها اليوم، بين القوى السياسية وباريس، محورها الآتي: هل هناك ضمانات بعدم فتح الملفات بلا هوادة، في الوزارات التي سيتمّ «إخلاؤها»؟


 
 

مبدئياً، الرئيس مصطفى أديب يضع هذا الملف في أيدي الفرنسيين. لكنّ باريس نفسها لا تستطيع ضمان شيء، والكلمة هنا تصبح للأميركيين، لا لسواهم، خصوصاً أنهم يمتلكون التأثير على المؤسسات الدولية.

 

والفرنسيون أنفسهم يحتاجون اليوم إلى الضغط الأميركي لتسويق مبادرتهم. فلولا الصفعة التي تلقّاها الطاقم السياسي بقرار العقوبات الأخير لكان اليوم يمارس أقصى درجات التصعيد والخربطة والتحدّي، ولكانت المبادرة الفرنسية قد بدأت تترنح.

 

وهذا «الهلع» الذي يظهر على بعض قوى السلطة، والتنازلات المثيرة التي قدَّمها البعض على جبهات مختلفة، من باب تظهير «حسن النيات»، ليس سوى ترجمة لعقوبات أميركية ستأتي خلال أيام، ومعها سيتقرَّر مصير كثيرين في لبنان.

 

فماذا سيبقى لبعض السياسيين أو المسؤولين الحاليين أو السابقين إذا ترافق قرار العقوبات عليهم مع كشف وقائع عن الفساد الذي ارتكبوه، وبالأدلة الدامغة؟ ألن يؤدي ذلك إلى إنهاء مستقبلهم السياسي؟

 

من البديهي القول إنّ فرنسا أكثر تفهُّماً للطاقم السياسي اللبناني من الولايات المتحدة. فلولا الحصار المالي الأميركي على هذا الطاقم، خصوصاً منذ 2017، لبقي يتلقّى المساعدات و»الترقيع» ولو فاق الدين العام الـ100 مليار دولار. ولولا هذا الحصار، لكانت فرنسا أقنعت الدول المانحة بتسديد أمول «سيدر» 2018. ولولاه لتأخَّر الانهيار الحالي إلى مرحلة أخرى.

 

ولكن، اليوم، تحتاج فرنسا بقوة إلى العقوبات الأميركية من باب الضغط من أجل إنجاح مبادرتها. ويضرب مصطفى أديب رِجْله في الأرض ويؤكد أنه لن يتراجع عن مفهومه للتشكيلة الحكومية، وهو يعرف أن لا أحد في السلطة يجرؤ على مواجهة الرئيس إيمانويل ماكرون، ليس فقط لأنّ معه المفتاح الوحيد للإفراج عن المساعدات، بل أيضاً لأنّ باريس تحظى بتغطية قوية من إدارة الرئيس دونالد ترامب.

 

وهذا التكامل الفرنسي - الأميركي في لبنان سيقود إلى تغيير المنظومة السياسية. وهذا التغيير بات مرجّحاً أن تحقّقه العقوبات، ما دام متعذراً أن تحققه الانتخابات. والرهان معقود على الرئيس المكلف وإصراره على ألّا ينزلق تسووياً إلى الفخّ الذي يريده الطاقم السياسي، أي أن يصبح حسّان دياب آخر.