منذ زمن أشعر بحاجة شديدة للكتابة إليكم. ولكن كيف لسوري أن يتفلسف في خلاص لبنان بعد أن فعل السوريون ببلدهم ما فعلوا؟ كيف يمكن لي أن أكتب للبنان شيئاً عن خرابه ونحن في قعر ثقبنا الأسود؟ لطالما اعتاد بعض السوريين أن يتكبروا عليكم بدولتهم "اللاطائفية" واقتصادهم "المكتفي" وبـ"مشروعهم القومي" العارم. ولطالما استهزأ بعضهم بديمقراطيتكم. (والكلام بيننا، ليس لديكم ديمقراطية تفتح القلب). ولكن أعظم وأسمى ما بين أيديكم وما يميز لبنان تبلور في تلك الـ"تفوه" الشامخة التي قالها بملء الفم مارسيل غانم يوم الانفجار الكبير. إنها الحرية، إنها كالسكين في حلق هذا الكابوس مهما ثقل. فبالحرية والتنوير، ومنذ فجر ثورتكم الأولى، بل قبل لبنان الكبير ومنذ فجر الأديرة التنويرية، بثّ لبنان نوره في كل ما حوله. وحدها الحرية أبقت روح لبنان العظيمة.

بعد سنوات سود من انسداد الأفق استعصت الحياة ما بين جار يقتات على جسد الدولة والناس، وبين طوائف وإرهابها، ضاعت الأوطان، لم تنبثق براعم الأمل إلا من لبنان. فما بين قديم يموت وجديد لم يولد بعد، ورغم غياب الديمقراطية بدأتم تخطون مساراً خارج المأزق التاريخي للربيع العربي. هل تدركون عظمة ما تقومون به فوق الأنقاض؟! 

  لكن ما يؤرقني الآن هو ذاك القلق الواضح في الرؤية والأفق الجديد لدى النخب الشابة للخروج من هذه اللحظة التي تتقاطع فيها احتمالات الكارثة باحتمالات الفرصة. 

لست هنا لأدلكم على الطريق، إذ أظن أننا سنريحكم منا نحن السوريين لعقود، وسنكون مشغولين بتأمل فداحة الكارثة التي تسببت بها مسايرتنا للاستبداد. لكن لعلّي أشير عليكم ببعض المسارات التي دمرتنا فتحجمون عنها. ذلك أن بعض النجوم بدأت تصطف حول لبنان وتبدو حبلى بالآمال بقدر ما تبدو اليد كفيفة وعليلة عن قطافها.    فكيف يمكن سرقة لبنان بعيداً عن جوف الخراب الذي تغرق فيه المنطقة؟

منذ ولادته، صُمِّم لبنان كي يوظف طاقاته البشرية والثقافية الفريدة وموقعه المتميز كجسر وسيط للتحضر والمعرفة والحرية والرفاه. ولكونه جسر عبور كان المارة يحددون وظيفته. وكي لا أطيل أقول إن النموذج اللبناني كان يكيِّف ذاته دوماً طبقاً لاستمرار وظيفة الجسر. وحين فسدت سوريا حتى العظم، وصار الاشتراكيون يبحثون عن منفذ لتحويل "الأموال الاشتراكية" لحساباتهم، كان لبنان هو الموئل؛ وبعد خروج "السوري" وحين سيطرت توافقات طائفية على لبنان تحول لبنان إلى متنفس للهواء السوري والإيراني الفاسد ولكل ألوان نموذج الدولة المحسوبية الريعية في الإقليم. وكان كل شيء عال العال! بس ليش خربت؟ إنه التاريخ الذي لا يرحم.   

 

ثمة درسان هامّان يكمنان في انهيار النموذج العام للدولة في المنطقة. وهذا ما تعلمنا من تجربتنا السورية (وربما التونسية والعراقية وغيرها كثير): إنه حتمية نهاية هذا النموذج. ولا يعود سبب نهايته إلى تضحيات وطموحات السوريين لحياة أفضل، بل إنها تعود لعوامل أعمق بكثير. 

لقد انتهى عهد مقايضة الأيديولوجيا بالمال. وانقضى بالتالي نموذج الدولة المحسوبية الريعية وصار قيد الانهيار. وانطوت صفحته حتى بالنسبة لكل الدول الريعية بأسوها. ما انطوت صفحته هنا ليس زعيماً أو نظاماً أو حتى عهوداً سياسية فحسب، بل إن ما انطوى هو النموذج بأسره. انطوى وسينطوي حتماً، بمؤسساته وثقافته وقيمه وشخوصه. 

الريع الذي يشكل نسغ هذا النموذج يتلاشى، ليس فقط بسبب النهب والفساد بل لأن مجمل ريع المواد الأولية في الاقتصاد العالمي ينهار، ولا مستقبل لكل هذه الاقتصادات، لا في روسيا ولا في إيران ولا في غيرها من الدول، في أزمة عميقة لا مخرج منها. وعبثاً يحاولون. 

انهيار هذا النموذج في شرقنا الأوسط لن يكون أقل درامية ولا أقل جمالاً من انهيار الإمبراطورية العثمانية في بداية القرن الماضي. ولن يكون مخاضه التاريخي أقل كلفة وروعة.  

 

الدرس الثاني هو التبدل في السياسة العالمية، الذي يتجه بقوة من أجل رفع الغطاء وتفكيك كل نموذج كوني تجاوزه الزمن. وليحيَ من يحيَ وليمت مَن يمت. القوى الكبرى في هذا العالم تبحث عن منظومات استقرار للمستقبل ووكلاء كبار يديرون الإقليم. ما عاد الاستعمار مجدياً، ومهما استجديناه فإنه لم يأت ولن يفعل. النموذج، الموديل السابق للاستعمار والهيمنة تغير، ولن يعود ماكرون أبداً. 

 

  نحن أمام انعطاف حتمي يشمل الإقليم بأسره، وغالب الظن أن الكثير من دوله لن تجد نموذجها الوظيفي إلا بعد كوارث مرعبة. لقد جاء انفجار بيروت ضربة نهائية لنموذج هو أصلاً في نزعه النهائي، وتسارع الحراك نحو إيجاد منصة للعبور نحو الجديد "الذي لم يولد بعد". وفي هذا خطر بقدر ما فيه أمل وتميز.

  #رأيي أن لبنان يبقى فريداً. لبنان يمكنه ألا يكون مجرد جسر يعبر عليه الخراب العام، بل أن يكون منصة لإعادة التأسيس لمستقبل حقيقي شاق ولكن مستقبل مثمر. لبنان يملك الحرية وإن كانت ملوثة بالكثير، إلا أننا نراها نسيماً عليلاً. ولئن تكاثرت الأيدي عليكم لكن حريتكم لم يكن بالإمكان قتلها. 

 

لبنان يملك كتلة كبيرة من جيل رائع من الشابات والشبان، يتميز عن باقي شباب الإقليم أنه لم يسقط بعد في حماقة التطرف والأيديولوجيا. شباب مدني متمدن، غض وبسيط وبريء. أقول ذلك لأننا إن تأخرنا سيسارع الرعاع لاختطاف الثورة.

وإذ نعود إلى تجربتنا في سوريا.  أول عبرة تعلمناها هي أن لكل زمان جيلاً وأن التغيير لا يمكن أن ينجزه جيل الأزمة. وثمة أجيال عليها أن تتنحى وتسلم الراية نهائياً ودون تلكؤ. أما جيلنا نحن فجلَّ ما يمكن أن نفعله هو أن نسلم الراية بسلام. 

  العبرة الثانية: مع فهمنا لقرف الشباب من السياسة والسياسيين، لا ينبغي أن يحول ذلك بينهم وبين أن يصبحوا هم البديل السياسي، وليس مجرد البديل المجتمعي للنموذج العتيق. ثمة فرق شاسع بين منطق وعمل الناشطين وبين العمل السياسي. الامر الشاق هو إنتاج نخب شابة سياسية وليس فقط شباباً مسيسين. وهذه بالذات مهمة الجيل الراحل. 

  سمير التقي 

 عضو مكتب سياسي في الحزب الشيوعي السوري