خالف تأليف الحكومة كلّ التوقّعات التي صوّرته بأنّه سيكون الاكثر سهولة وسلاسة في تاريخ تأليف الحكومات في لبنان، مطيحاً بكل النمط السابق الذي كان يُلقي بالحكومة أشهراً في حلبة المراوحات والمزاجيات، والتجاذبات على الحصص والأحجام وعلى هذه الحقيبة الوزارية او تلك. فرياح التأليف جاءت معاكسة لكلّ المناخ الايجابي الذي اشاعته زيارة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون وما رافقها من التزامات سياسية بالتسهيل والتسريع والتفاهم على حكومة انقاذية واصلاحية، إذ سرعان ما تكشّفت النوايا، وخرج الى العلن ما تختزنه بعض الصدور، وانحرف المسار من التأليف بالتفاهم، الى التأليف الأحادي الجانب، الأمر الذي أُصيب معه هذا التأليف بوعكة سياسية لا تساعد بأن تأتي «حكومة المبادرة الفرنسية» بولادة سلسة وطبيعية.

 

إنكفأ الرئيس المكلّف وغاب عن الصورة، والرئيس سعد الحريري كما بدا لسائر القوى السياسيّة، هو أخذ على عاتقه تأليف الحكومة على طريقته، مشجَّعاً من قبل الفرنسيين، ومتسلّحاً بزخم المبادرة الفرنسية، وانّها حشرت كل الناس، وأنّها أشبه بجرافة تزيل من امام التأليف كل ما يُعتبر معوّقات، وتمهّد له الطريق لتشكيل الحكومة التي يريدها.

   

ولقد جاء لقاء الحريري بالرئيس نبيه بري السبت، ليؤكّد حضوره المباشر على خط التأليف. الّا انّ الحريري لم يحقّق من هذا اللقاء ما يشتهيه، إذ إنّه اصطدم برفضين قاطعين من قِبل رئيس المجلس، الاول لما طرحه الحريري لناحية المداورة، بأن تشمل وزارة المالية وإسنادها لوزير غير شيعي. والثاني، لناحية أن يُسمّي هو، أي الحريري الوزراء ( الشيعة وغير الشيعة) في الحكومة. فالطرح الأول لم يكن مريحاً لبري، والجواب الذي تلقّاه الحريري عليه جاء بما مفاده: «انّ موضوع المالية منتهٍ، وخارج دائرة البحث والنقاش». أما الطرح الثاني فكان مستفزاً، والجواب عليه مفاده: «أنتَ تريد ان تُسمّي الوزير الشيعي؟ ومنذ متى كنت تسمّيه؟ ومنذ متى أنتَ تختار لنا الوزير الذي يمثلنا»؟

 

بناءً على هذه الأجواء، التي اظهر فيها فريق التأليف الذي يقوده الحريري شخصياً، انّه لم يلتقط الفرصة مرّة ثانية لكي يذهب الى حكومة بالشراكة، تكون قادرة على القيام بمهماتها الانقاذية والاصلاحية، بل ذهب الى منطق الاستئثار، جاء بيان المكتب الإعلامي لرئيس المجلس، ليعيد القاء كرة النار في ملعب «فريق التأليف الأحادي» الذي يقوده الحريري، «فأنتم كما صعدتم الى شجرة التفرّد بالتأليف، تنزلون عنها».

 

في بيانه، حرص بري على ان يختمه بالتأكيد على «الاستعداد للتعاون الى اقصى الحدود في كل ما يلزم لاستقرار لبنان وماليته والقيام بالاصلاحات وانقاذ اقتصاده». وهو ما سبق للرئيس بري ان اكّد عليه للرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في الاتصال الذي تلقّاه منه قبل يومين.

 

لكن، هناك من قدّم «قراءة مبسطة» في كلام بري حول الاستعداد للتعاون، انّه يعكس تجاوباً لأقصى درجات التسهيل، وربما الى حدّ منح الحكومة الثقة ومواكبتها والتعاون معها وتسهيل مهامها في مجلس النواب، لكن كل ذلك، يبقى رهناً بالتشكيلة الحكومية التي سيقدّمها الرئيس المكلّف. فبعد ظهور هذه التشكيلة يُحكم عليها، ولكل حادث حديث.

 

لكن ثمة في المقابل، من قرأ في إعلان بري عدم الرغبة في المشاركة في الحكومة، رسالة بالغة الدقة والوضوح، بإسم الثنائي الشيعي، وكذلك كل مرجعيات الطائفة، يؤكّد من خلالها بشكل لا لبس فيه، انّ المكوّن الشيعي لن يشارك في حكومة تُشكَّل بهذه الطريقة، وأنّ ايّ حكومة تتشكّل من دون المكوّن الشيعي ساقطة سلفاً، وهكذا يقول الدستور في الفقرة «ي» من مقدّمته التي تنصّ على ما حرفيّته: «لا شرعيّة لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك». كما انّ أي حكومة تتجاوز هذا المكوّن بأن يُسمّى له من يمثله في هذه الحكومة يصطدم بالمادة 95 من الدستور، التي تنص على ما حرفيّته: «تمثل الطوائف بصورة عادلة في تشكيل الوزارة». ما يعني انّ الوزير ليس موظفاً، بل هو صاحب سلطة، وهو منتدب عن هذه الطائفة، وأي محاولة لفرض على ايّ طائفة من يمثلها، هي لعب خطير جداً بالتوازنات الداخلية.

   

وهنا يبرز السؤال: امام اعلان المكوّن الشيعي عدم مشاركته في الحكومة، أي شخصية شيعية تستطيع ان تقبل بأن تشارك من دون غطاء هذا المكوّن؟ والّا يعني اصرار فريق التأليف على ان يختار وحده وزراء الآخرين، انّه إصرار على المواجهة معهم؟ وإن صحّت هذه المغامرة، فمن يستطيع ان يقدّر تداعيات المواجهة، والى اين سينحى وضع البلد؟

 

الواقع الشيعي مستنفر بشكل عام، وثمة شعور عارم بالاستفزاز من محاولة تجاوزه ومصادرة حقه في اختيار من يمثله. وثمة من يقول «لا مبادرة فرنسية ولا غير مبادرة فرنسية، ولا ماكرون ولا غير ماكرون قادر ان يفرض على المكوّن الشيعي من يمثله، هذا أمر محسوم. نحن مع انجاح المبادرة الفرنسية ومستعدون للتعاون والتسهيل، وما يقومون به هو افشال للمبادرة، واذا كانوا صادقين في دعمهم لهذه المبادرة ويريدون انجاحها، فما عليهم الّا ان ينزلوا عن الشجرة التي صعدوا اليها».

 

لماذا الاصرار على المالية؟

 

ليس خافياً التوجّه لدى فريق التأليف لإسناد وزارة المالية الى شخصية غير شيعية، والمرجح ان تُسند لشخصيّة سنيّة. ويأتي ذلك في موازاة اجماع شيعي على انّ هذه الوزارة، تشكّل بالنسبة الى الرئيس بري ومعه «حزب الله» وسائر المستويات الشيعية السياسية والدينية، قضية ميثاقية لا بل كيانية.

 

والمطالبون بنزع المالية من حصّة الشيعة يتسلّحون بأنّه لا يوجد نص على ذلك لا في الطائف ولا في الدستور، وبأنّه لا يوجد عرف يؤكّد لهم هذا الحق، يقابل ذلك اقرار شيعي بعدم وجود نص، لكنّ موضوع الماليّة حُسم في الطائف ومحاضر مناقشاته تؤكّد على ذلك.

 

وحول الموضوع نفسه تذهب مرجعيات شيعية الى سقف اعلى وتقول، «فلنسلّم انه لا يوجد عرف او نص على اسناد المالية الى الشيعة. وطالما انتم تطلبون المداورة، هذا جيد ونحن موافقون، إذاً فلتكن المداورة في كل المواقع ومن دون استثناء، وليس في موضوع الوزارات فقط، فلا الدستور ولا الطائف ينصّان على تحديد مواقع معينة لأي طائفة، لا على مستوى الرئاسات الثلاث، ولا على مستوى اي من وظائف الفئة الاولى الادارية والامنية والقضائية. ومع ذلك ما زلتم تعتمدون الاعراف، فلماذا عندما تصل الامور الى الشيعة تريدون ان تضربوا هذه الاعراف، فإن اردتم المداورة فلتكن إذا مداورة شاملة في كل شيء. فهل المراد ان نصل الى هنا؟

 

خلاصة موقف المرجعيات الشيعية، انّ المالية بالنسبة الى الشيعة قدس الاقداس، ومثلها مثل الرئاسات. وتشكّل بالنسبة اليهم عنوان الشراكة في السلطة التنفيذية، ولا مجال للتخلّي عنها مهما كلّف الأمر. فشراكة المسيحيين مؤمّنة عبر رئيس الجمهورية، وشراكة السنّة مؤمّنة ايضاً عبر رئيس الحكومة وصلاحياته الواسعة. اما اذا انتُزعت وزارة المالية من حصة الشيعة، فماذا يبقى لهم من شراكة في السلطة الاجرائية، لا شيء.

 

اي حكومة في هذه الاجواء؟

 

وسط هذا الجو، لا مؤشرات حتى الآن حول ولادة سلسة للحكومة، وصورة التأليف وما سيؤول اليه، ستتظهّر في اللقاء المنتظر بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف، وستحدّد ما اذا كان التأليف سيسلك مساراً طبيعيًّا وهادئاً، او انّه سيسلك مساراً صعباً بالإصرار على اخذ الحكومة نحو ما يشبه «الولادة من الخاصرة» بما فيها من اوجاع سياسية وغير سياسية، أو أنّ الرئيس المكلّف سيذهب الى واحد من خيارين، الاعتذار او الاعتكاف؟