كان جرى تسريب أجواء عن وضع رئيس الحكومة المكلّف ورقتين في جيبه: واحدة للتشكيلة، وثانية للإستقالة في حال رفض رئيس الجمهورية ميشال عون الورقة الأولى. ثم عاد المسرّبون وعمموا أجواء عن عدم نية أديب الاستقالة بل الإعتكاف.
 

ساعات حاسمةً دَخَلها البلد ولا خيار في نهايتها إلا بين انفراجٍ مرْحليّ تنتقل معه البلاد إلى غرفة انتظارِ المسارات الكبرى في صراعات المنطقة مع مسكنات سياسية ومالية، وبين انفجارٍ يعمّق أزمتَها الشاملة بانقطاع حبْل المبادرة الفرنسية التي تبدو معها باريس كأنها تمارس ركوب الأمواج العاتية التي تعصف بالواقع اللبناني الذي انزلق من محاولة النجاة على متن سفنية مثقوبة تُلاطِم عواصف الإقليم إلى مقارعة البحر الهائج على لوح خشبي هائم. 

 

لبنان دفع أثمان باهظة قبل ان ينهار تحت ثقلها ثمن فقدانه لدوره وموقعه في المنطقة كما سمي في حينها "سويسرا الشرق " كما دفع ثمن خطايا حكامه وقصر نظرهم وجعله بمثابة صندوق بريد في منطقة مضطربة ،وشن الحروب على بعض الدول العربية الشقيقة  واستمرار جوعهم الى المال والسلطة .

 

وفي البلد اليوم قناعة شاملة بضرورة الإصلاح، لكنّ القوى التغييرية غير جاهزة، ولا تزال في طور التكوّن منذ التظاهرات الحاشدة في 17 تشرين الأول الماضي وما تلاه. 

 

في ذلك التاريخ، اهتزّت قوى السلطة لكنّها لم تقع، وسرعان ما استعادت آليات سيطرتها. في الشارع استعانت بالقمع الدموي الشرعي، وبالإستفزاز الميليشياوي الطائفي والمذهبي، وفي الأليات الدستورية تمترست وراء بقايا دستور مزّقته في وقت قريب، لتستعيد لعبة الحكم من باب الميليشيا النيابية.

 

لائحة الإصلاحات المطلوبة طويلة جداً، والتغييرات الملحّة شرط لإنجازها.

 

كانت تجربة حكومة حسّان دياب حصيلة فاقعة لمحاولة التغيير الشعبية، وردّاً سلطوياً فاقعاً على المطالبات الشعبية.

 

إقرأ أيضا :  العقوبات الامريكية وانعكاسها على تشكيل الحكومة

 

وفي ظلّ تلك الحكومة استُبيح ما تبقّى من مصالح الناس وكراماتهم، فيما استعرت خطابات المواجهة مع أصدقاء لبنان في العالم العربي والمجتمع الدولي، فبدأ وزراء بالإنسحاب ليجرى استبدالهم بسرعة البرق، في إشارة من أصحاب السلطة الى أنّ شيئاً لن يجعلهم يُغَيّرون ما بأنفسهم، لا انهيار مجتمعهم وبلدهم، ولا علاقة هذا البلد بالعالم من حوله.

 

ثم جاءت كارثة المرفأ لتتوّج شهور القمع والإنكار، فدخل العالم مُجدّداً على الخطّ من الباب الإنساني أولاً، لكن من الباب السياسي بالتأكيد. فلم يعد التغيير والإصلاح مطلباً شعبياً فقط، بل مطلباً وشرطاً دولياً لاستئناف دعم لبنان للخروج من الأزمة وإعادة البناء، وهذا ما تعنيه تحديداً مبادرة ماكرون. 

تسارعت وتيرة الاتصالات بين الأطراف السياسية اللبنانية المعنية بتشكيل الحكومة الجديدة، في الساعات القليلة الماضية، ما يؤشر على إمكانية الإعلان عنها.

وتتركّز غالبيّة المشاورات حول لزوم الإسراع في الإعلان عن التشكيلة الجديدة، قبل المدة المقررة لانتهائها بحلول الثلاثاء، مع ضرورة تجاوز العقبات كافة، وجعل التسهيل سيد الموقف.

ويريد الرئيس المكلف تشكيل حكومة مصغرة مؤلفة من اختصاصيين فيما يرى عون ومن خلفه التيار الوطني الحر والثنائي الشيعي حزب الله وحركة أمل، أن تكون الحكومة موسعة ومشكلة من تكنوقراط تختارهم القوى السياسية، بمعنى آخر حكومة على شاكلة حكومة حسان دياب.

وأمام تمسك هذه الأطراف بمواقفها سرب رئيس الوزراء المكلف إمكانية اعتذاره، الأمر الذي دفعها للتراجع خطوة إلى الوراء، فتنفيذ أديب لتهديده سيضعها في موقف لا تحسد عليه أمام المجتمع الدولي.

 

وبعد الموقف الواضح الذي لا لبس عليه، الذي أعلنه رئيس مجلس النواب نبيه برّي أمس، من تمسكه بحقيبة المال للشيعة من منطلق ميثاقي، كما تأكيده على تسمية وزير المال ولو من طريق طرح عدد واسع من المرشحين على الرئيس المكلّف، بدا ثابتاً أنّ ثمّة مأزقاً جدياً للغاية يتحكّم باستحقاق الحسم الإيجابي السريع لتشكيل الحكومة أقلّه ضمن مهلة الأسبوعين. وإذ تحدثت بعض الأوساط السياسية عن سعي إلى إقناع الجانب الفرنسي بتمديد قصير للمهلة لحلّ عقدة المال، بدا واضحاً أنّ الرئيس المكلّف يصعب عليه تماماً التسليم بهذا المنطق لأنّه سيعرّض صدقية التزامه تشكيل حكومة اختصاصيين ومستقلين والمداورة في الوزارات والحقائب للتداعي وهو ما لا يمكنه القبول به. وقالت إنّ الوقت لا يزال مبكراً للحكم على حقيقة ما ستحمله تركيبة أديب من توزيع للحقائب ومن أسماء يتردد انها قد تنطوي على مفاجآت جراء نوعية الوزراء. وتشير الأوساط إلى أنّ أقل من الـ48 ساعة المقبلة ستكون كفيلة بفرز الحقائق المتعلقة بسيناريوات تشكيل الحكومة وما إذا كانت البلاد ستكون امام انفراج وتشكيلة حكومية نوعية قد تحمل تطورات غير مألوفة أبداً في تشكيل الحكومات السابقة، وأمّا أمام مأزق خطير يغامر عبره معطّلو الولادة الحكومية في تعريض أنفسهم والبلاد لإجراءات لم تعد تخفى على أحد، علماً أنّ #فرنسا نفسها لا تخفي طبيعة ما سيتعرض له المعرقلون من عقوبات، بالإضافة إلى تداعيات أخرى بالغة الخطورة على البلاد عموماً.

 

بجميع الاحوال، وبينما تسرّبت أنباء عن نية رئيس الحكومة المكلّف تقديم صيغة حكومية مكوّنة من ١٤ وزيراً الى رئيس الجمهورية، من دون رأي ولا تدخل ولا مراعاة القوى السياسية، كانت هذه القوى تلتزم الصمت، وتعوّل على رفض رئيس الجمهورية لطرح أديب. كان جرى تسريب أجواء عن وضع رئيس الحكومة المكلّف ورقتين في جيبه: واحدة للتشكيلة، وثانية للإستقالة في حال رفض رئيس الجمهورية ميشال عون الورقة الأولى. ثم عاد المسرّبون وعمموا أجواء عن عدم نية أديب الاستقالة بل الإعتكاف.

 

في الحالتين، واذا صحّ السيناريو بشأن خطوة أديب فإنه يكون قد رمى كرة المسؤولية في ملعب غيره. هنا يحاكي أديب الفرنسيين بأنه التزم وترجم ما ارداه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. وربما يكون يمارس ضغوطاً على القوى السياسية، في ظل تهديد غربي بالعقوبات التي كانت مقدمتها بحق الوزيرين السابقين النائب علي حسن خليل ويوسف فنيانوس.